وثقت السفارة المصرية في باريس مرور 50 عاماً على المهمة العلمية التاريخية لإنقاذ مومياء الملك رمسيس الثاني، والتي مثلت ذروة التعاون التقني بين القاهرة وباريس عام 1976. كشفت الندوة التي عُقدت بمشاركة خبراء من هيئة الطاقة الذرية الفرنسية ومنظمة اليونسكو عن تفاصيل دقيقة حول استخدام “أشعة غاما” للقضاء على 89 نوعاً من الفطريات التي هددت سلامة المومياء الملكية، مما ضمن بقاءها كإرث إنساني عالمي يُعرض حالياً في المتحف القومي للحضارة المصرية.
كيف تم علاج مومياء رمسيس الثاني بتقنية “أشعة غاما” في فرنسا؟
اعتمدت عملية إنقاذ مومياء رمسيس الثاني عام 1976 على تقنية التعقيم بالإشعاع داخل مختبرات هيئة الطاقة الذرية الفرنسية، بعد رصد 370 مستعمرة فطرية نشطة هددت بتآكل النسيج العضوي للملك. أثبتت الفحوصات اللاحقة أن المعالجة الفيزيائية لم تسبب أي تلف في البنية الحيوية أو قطر الشعر أو لونه، حيث تمت العملية في بيئة معزولة ومتحكم بها حرارياً ورطوبياً داخل “متحف الإنسان” بباريس، بمشاركة فريق متعدد التخصصات شمل خبراء من معهد باستير ومتحف اللوفر.
أسفرت التحاليل النباتية والبيولوجية الدقيقة عن اكتشافات فريدة حول طقوس التحنيط في الدولة الحديثة، حيث عثر العلماء على:
- بقايا نباتية: استخدام نباتات البابونج والقطف في عمليات الحفظ.
- الفلفل الأسود: العثور على حبات من الفلفل الأسود محشوة داخل المومياء لدعم الهيكل والحفاظ على الشكل.
- التنوع الفطري: استزراع 89 نوعاً من الفطريات مخبرياً لفهم كيفية تحييد أثرها البيولوجي دون المساس بالمومياء.
نتائج التحليل الجنائي: لماذا كان شعر رمسيس الثاني أحمر اللون؟
أكدت دراسات مختبر الشرطة العلمية بباريس أن شعر فرعون مصر يتميز بلون أحمر كستنائي طبيعي، ناتج عن استخدام صبغة “الحناء” النباتية قبل الوفاة، وهو ما يعكس اهتماماً جمالياً وطقسياً في عصر الأسرة التاسعة عشرة. أظهر الفحص النسيجي المجهري لأنسجة الصدر والبطن استقرار الحالة الحيوية للمومياء رغم مرور آلاف السنين، حيث توفي الملك عن عمر يناهز 92 عاماً بعد حكم امتد لـ 67 عاماً، شهد خلاله تشييد معالم كبرى مثل معبد أبو سمبل وبهو الأعمدة بالكرنك.
التبعات التاريخية لترميم المومياء ومستقبل صون التراث المصري
تعد ملحمة إنقاذ المومياء في السبعينيات حجر الزاوية الذي تشكلت بناءً عليه “اتفاقية التراث العالمي” عام 1972، حيث أدرك المجتمع الدولي أن الآثار المصرية ملكية إنسانية مشتركة. يمتد هذا التعاون اليوم ليشمل 1248 موقعاً مدرجاً على قائمة التراث العالمي لليونسكو، مع توجه الوكالة الدولية للطاقة الذرية لنقل هذه التكنولوجيات المتقدمة لـ 178 دولة عضو لضمان حماية الرفات البشرية والقطع الأثرية من التحلل البيولوجي.
تتيح هذه الجهود العلمية التاريخية لزوار المتحف القومي للحضارة المصرية اليوم رؤية المومياوات الملكية بحالة حفظ استثنائية، مما يعزز فهم التاريخ المصري القديم ونقله للأجيال القادمة بناءً على حقائق علمية مثبتة بعيداً عن التكهنات، مع استمرار الشراكة الثقافية بين مصر وفرنسا في مجالات التنقيب والترميم الرقمي والفيزيائي.
