شهد زيت الوقود المستخدم في السفن ومحطات الطاقة طلباً غير متوقع، إذ إن الجهود المبذولة للحد من استخدامه تلاشت مع توسع «أسطول الظل» من ناقلات النفط التي تستخدمها روسيا ودول أخرى، وكذلك اضطرار السفن إلى الإبحار في مسارات أطول لتجنب عبور البحر الأحمر.
وبدلاً من التحول إلى بدائل أقل ضرراً للبيئة، مثل: زيت الغاز البحري، وزيت الوقود منخفض الكبريت، لجأت بعض شركات الشحن إلى تركيب أجهزة تنظيف غاز العادم المعروفة باسم أجهزة تنقية الغاز لمواصلة استخدام زيت الوقود عالي الكبريت.
وأدت العقوبات الغربية والهجمات على سفن الشحن في البحر الأحمر إلى زيادة هذا الطلب غير المتوقع، وفقاً لما أوردته وكالة رويترز.
الطلب يفوق التوقعات
وقال المحلل لدى إنيرجي أسبكتس رويستون هوان، في أغسطس «فاق الطلب التوقعات بسبب عدة عوامل رئيسة، منها استمرار قوة الطلب على توليد الطاقة الكهربية في الشرق الأوسط، وتعطل الشحن في البحر الأحمر بسبب هجمات الحوثيين».
وأظهر تقرير لوكالة الطاقة الدولية في يونيو أنه في حين انخفض الطلب العالمي على الديزل ووقود الطائرات عالمياً مقارنة مع مستويات ما قبل جائحة كورونا في العام 2019، وارتفع استهلاك البنزين 1.9% فقط، فقد زاد الطلب على زيت الوقود 4.8% ليصل إلى 6.5 مليون برميل، يومياً، في المتوسط في عام 2025.
وذكر هوان أن أسعار زيت الوقود ربما ترتفع في الأمد القريب وسط زيادة الطلب من مصافي التكرير، «لكننا نتوقع تراجعاً في التوازن بين العرض والطلب في نوفمبر وديسمبر مع عودة بعض المصافي في السعودية والبرازيل إلى العمل بعد انتهاء أعمال الصيانة».
وفي العام 2020، توقعت وكالة الطاقة الدولية أن ينمو الطلب على زيت الوقود 1.6% فقط بين 2019 و2025، وهي أبطأ وتيرة بين أنواع الوقود المكرر الرئيسة.
وقال المحلل لدى وكالة الطاقة الدولية سيران هيلي، لـ”رويترز” إن استخدام زيت الوقود في توليد الطاقة الكهربية تجاوز توقعات الوكالة قليلاً خلال السنوات الماضية، ويرجع ذلك بشكل رئيس إلى ارتفاع درجات الحرارة خلال فصول الصيف في الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا.
ارتفاع الواردات
ووفقاً لبيانات كابلر للشحن البحري، ارتفعت واردات السعودية ومصر من زيت الوقود 33% على أساس سنوي في العام 2024، وظلت أعلى بنحو 31% في عام 2025 حتى الآن مقارنة بالعام 2023.
وساهمت العقوبات الغربية المفروضة على روسيا في ذلك، إذ تستورد السعودية زيت الوقود الروسي بأسعار مخفضة لتوفير المزيد من خامها للتصدير.
تبحر المزيد من السفن، الآن، حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من قناة السويس، مما يعزز الطلب على زيت الوقود، مع استمرار التوتر في البحر الأحمر.
ناقلة النفط «سونيون» بعد استهدافها من الحوثيين في البحر الأحمر شمال غرب مدينة الحديدة اليمنية يوم 29 أغسطس 2024. المصدر: (أ ف ب)
وتتجنب السفن هذه المنطقة، منذ العام 2023، بسبب هجمات الحوثيين، الذين يستهدفون تعطيل حركة الملاحة العالمية تضامناً مع الفلسطينيين في حرب غزة.
ووفقاً لبيانات «إف.جي.إي» للاستشارات، أدى ذلك إلى زيادة الطلب على زيت الوقود بحوالي 100 ألف برميل يومياً، أي حوالي 2% من الطلب العالمي على وقود السفن.
وقال هيلي إن وكالة الطاقة الدولية تعتقد أن اضطراب الشحن في البحر الأحمر أعطى دفعة جاءت دون التوقعات لحجم التزود بالوقود.
وقالت المحللة لدى ريستاد إنيرجي فاليري بانوبيو، إن العقوبات الغربية المفروضة على إيران وروسيا ساهمت أيضاً في نمو أسطول غير رسمي من السفن القديمة التي يرجح أنها تعمل بزيت الوقود عالي الكبريت.
ووفقاً لتقديرات مصادر ومحللين في القطاع، منهم لويدز ليست إنتليجنس وشركة جيبسون لوساطة السفن، يضم أسطول الظل ما بين 1200 و1600 ناقلة، وهو ما يمثل حوالي خُمس أسطول الناقلات العالمي.
ووفقاً لحسابات “رويترز” التي تستند إلى بيانات الوقود للعام 2023 الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية، تستهلك ناقلات أسطول الظل أكثر من 106 آلاف برميل يومياً، أو حوالي 2% من الطلب العالمي.
وقال يوجين ليندل من شركة إف.جي.إي للاستشارات: «ستكون العديد من هذه السفن حرفياً خردة بحرية، إذ يزيد عمر الكثير منها على 15 عاماً، و20 عاماً في بعض الحالات».
وأضاف أن هذه السفن أقل كفاءة في استهلاك الوقود، وتبحر في مسارات طويلة، مما يزيد من استهلاك زيت الوقود.
تحديات تنظيمية
من جانبها، قلصت لوائح المنظمة البحرية الدولية لعام 2020 الحد الأقصى لمحتوى الكبريت في وقود السفن من 3.5% إلى 0.5%، مما أدى في بادئ الأمر إلى نقص الطلب على زيت الوقود عالي الكبريت.
ومع ذلك، فإن الاعتماد واسع النطاق لأجهزة تنقية الغاز، وهي أنظمة على متن السفن تسمح بحرق زيت الوقود عالي الكبريت مع الحد من أثره على البيئة، قد أدى إلى انتعاش الاستهلاك.
وقالت شركة «دي.إن.في» للاستشارات البحرية إن أكثر من 6 آلاف سفينة اقتنت أجهزة تنقية الغاز بحلول نهاية العام 2024، وتتوقع الشركة أن يصل العدد إلى 6523 بحلول نهاية العام الجاري، ارتفاعاً من 4348 في العام 2020.
وعلى الرغم من توقعات وكالة الطاقة الدولية بانخفاض الطلب على زيت الوقود بعد عام 2026، ليبلغ في المتوسط 6.1 مليون برميل يومياً بحلول عام 2030، فإن المعارضة للوائح المنظمة البحرية الدولية قد تبقي الطلب مرتفعاً.
وقال كينيث تفيتر من شركة كلاركسونز لوساطة السفن: «سيظل الطلب على زيت الوقود ثابتاً حتى نهاية هذا العقد على الأقل».
