خلال النصف الأول من عام 2025، سجّل قطاع السياحة في سلطنة عمان أداءً لافتاً، إذ ارتفعت العائدات الفندقية من 3 إلى 5 نجوم بنسبة 18% لتبلغ نحو 141 مليون ريال عُماني أي 366.71 مليون دولار، فيما تجاوز عدد النزلاء 1.14 مليون زائر بزيادة سنوية قدرها 9%، وفق بيانات وزارة التراث والسياحة. هذه المؤشرات القوية تعكس حيوية القطاع، لكنها في الوقت ذاته تطرح تساؤلاً حول كيفية تحويل هذا النجاح الموسمي إلى نمو مستدام يعزز مكانة السلطنة التنافسية في الساحة الخليجية والعالمية.
زخم الأرقام
يأتي هذا الأداء الإيجابي مدعوماً بنجاحات عام 2024، إذ تمكنت السلطنة من استقطاب ما يقارب 4 ملايين زائر، محققين إيرادات فندقية بلغت 293.4 مليون ريال. ويبرز «موسم خريف ظفار 2024» كأحد أبرز قصص النجاح، حيث استقبل وحده 1.048 مليون زائر خلال ثلاثة أشهر، منهم 735 ألف عماني و177 ألف خليجي. هذه الأرقام تؤكد قدرة السياحة على أن تكون محركاً رئيسياً في خطة التنويع الاقتصادي “رؤية عُمان 2040″، التي تستهدف رفع مساهمة القطاع إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويرى خلفان الطوقي، الخبير الاقتصادي، أن هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات عابرة، ويقول لـ«إرم بزنس»: «النمو الذي نشهده في الإيرادات وأعداد الزوار هو نتيجة مباشرة للاستثمار في البنية التحتية والتسويق المدروس للوجهات العُمانية. التحدي الآن هو الانتقال من الاعتماد على مواسم الذروة إلى خلق طلب سياحي على مدار العام، وهذا يتطلب تنويع المنتج السياحي وتعميق التجربة التي نقدمها للزائر».
ديناميكية موسمية
لطالما ارتبطت السياحة في عُمان بمواسمها المناخية الفريدة. فقد تحول «خريف ظفار» من ظاهرة مناخية إلى علامة تجارية سياحية متكاملة، تجذب الزوار الباحثين عن ملاذ من حرارة الصيف الخليجي.
يصف محمد البريمي، وهو زائر خليجي دائم لصلالة، تجربته قائلاً: «الخريف في ظفار يشعرك بأنك في عالم آخر، بعيداً عن حرارة الخليج. الضباب الذي يعانق الجبال والخضرة التي تكسو الأرض تجربة لا تضاهى، تتجدد في كل زيارة».
ولا يقتصر التميز على ظفار، فأجواء الصيف المعتدلة في «الجبل الأخضر» و«جبل شمس» تجذب عشاق المغامرات والطبيعة الجبلية.
تقول سارة، سائحة أوروبية زارت الجبل الأخضر مؤخراً: «كانت تجربة التنزه بين القرى القديمة والمدرجات الزراعية مذهلة. الهدوء والمناظر البانورامية من ارتفاع ألفي متر تمنح شعوراً بالصفاء لا ينسى، خاصة مع كرم الضيافة الذي لمسناه من السكان المحليين».
ويبرز التحدي اليوم وفقاً للخبير الاقتصادي، في استثمار هذا التنوع المناخي والثقافي لتطوير وجهات تعمل على مدار العام. مثل مشروع المجمع السياحي المتكامل الجديد في ظفار على مساحة 2.5 مليون م²، الذي يضم فنادق ووحدات سكنية ومتاجر.
الخبير الاقتصادي خلفان الطوقي المصدر: إرم بزنس
المنافسة والتحديات
تدرك السلطنة حجم المنافسة الإقليمية المحتدمة، حيث تُضخ استثمارات بمليارات الدولارات في قطاعات الترفيه والضيافة بالمنطقة. وفي هذا السياق، تكثف وزارة التراث والسياحة جهودها لتطوير البنية التحتية وتنويع الأسواق المستهدفة.
وفي هذا الصدد، أفاد سالم المحروقي، وزير التراث والسياحة، «بأن الوزارة تسعى لتعزيز قطاعات متعددة تشمل السياحة العلاجية، وسياحة المغامرات، وفنون الطهي، بالإضافة إلى مشاريع نوعية كحديقة النباتات الطبيعية المخطط افتتاحها خلال العام الجاري 2025». وأكد خلال تصريح سابق: أن «هناك خططاً واضحة لإضافة 10 آلاف غرفة فندقية جديدة بحلول عام 2030، لمواكبة النمو المتوقع وتعزيز الطاقة الاستيعابية للسلطنة».
ولمواجهة التحديات الراهنة، أوضح الوزير العماني، أن الوزارة تعمل على مسارين: الأول هو مواجهة «انخفاض عدد العاملين في القطاع» عبر برامج تأهيل وتدريب متخصصة، والثاني هو التعامل مع «التوترات السياسية في منطقة الشرق الأوسط» وتأثيرها على حركة السفن السياحية عبر البحر الأحمر، وذلك عبر «استجلاب سفن سياحية من دول آسيا دون المرور عبر البحر الأحمر، وفتح أسواق جديدة».
الخبير الاقتصادي الطوقي يرى أيضاً أن خطوة تدشين رحلات «فلاي بغداد» إلى صلالة مؤخراً باتت تؤتي ثمار هذا التوجه، الذي شهد أيضاً نمواً في عدد الزوار من الأسواق الأوروبية بنسبة 6% في 2025.
المشاريع الكبرى
تضع عُمان ثقلها في مبادرات التعاون الإقليمي، وعلى رأسها مشروع «التأشيرة السياحية الخليجية الموحدة». فبحسب تصريحات الوزير المحروقي، خلال مؤتمر «عمان والعالم» مطلع سبتمبر بأن «المشاورات جارية مع دول مجلس التعاون لإصدار تأشيرة موحدة تمكّن السياح من دخول الدول الست، بهدف جذب 6 ملايين سائح بحلول عام 2030».
هذا الإجراء، إلى جانب إعفاء مواطني (103) دول من تأشيرات الدخول، من شأنه أن يعزز من جاذبية المنطقة ككل والسلطنة كجزء رئيسي منها.
داخلياً، تتواصل المشاريع الكبرى التي تهدف إلى خلق وجهات متكاملة تعمل على مدار العام. ومن أبرزها مشروع «المجمع السياحي المتكامل الجديد في ظفار» الذي يُقام على مساحة 2.5 مليون متر مربع وباستثمار يبلغ 80 مليون ريال عُماني أي (208) ملايين دولار. إذ ستضم المرحلة الأولى من المشروع فندقاً من فئة 5 نجوم ومرسى لليخوت، ما سيوفر منتجاً سياحياً فاخراً ومتنوعاً.
مستقبل مستدام
ويرى الخبير الاقتصادي، خلفان الطوقي أن رغم تلك الأرقام والنجاحات التي يحققها القطاع السياحي في السلطنة إلا أن الانتقال من النجاحات الموسمية إلى تحقيق استدامة النمو على مدار العام يظل هو الرهان الأكبر.
الطوقي يعزي الرهان لعدة عوامل مثل التركيز على تنويع الأسواق، وتطوير البنية التحتية بمشاريع نوعية، وتعميق التكامل الخليجي، ما يرسم للسلطنة مساراً واضحاً لتحويل ثرواتها الطبيعية والثقافية إلى وجهة سياحية عالمية، قادرة على المنافسة بقوة وثبات في قلب منطقة تتسارع فيها وتيرة التطور بشكل ملحوظ وسريع.
