خلال يوم واحد.. هل سيتحقق شبح إغلاق أكبر حكومة في العالم؟

من جديد يطلّ «كابوس» الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الأميركية، صاحبة أقوى وأكبر اقتصاد في العالم، ولكن الأمر لا يتعلق بنقص الموارد، أو حالة فقر وعجز عن توفير التمويل، وإنما ينطوي على صراع بين طرفي السلطة التشريعية أي كل من الجمهوريين (الحزب الحاكم) والديمقراطيين.

في غضون ذلك، يتوجه قادة الكونغرس من الديمقراطيين والجمهوريين إلى البيت الأبيض لعقد اجتماع مع الرئيس دونالد ترامب اليوم الاثنين في محاولة أخيرة لتجنب إغلاق جزئي للحكومة، بيد أن أياً من الجانبين حتى الآن لم يظهر أي استعداد للتراجع عن موقفه، بحسب تصريحات صدرت عن الجانبين.

رئيس مجلس النواب مايك جونسون في مبنى الكابيتول الأميركي، في واشنطن العاصمة يوم 16سبتمبر 2025. المصدر: (أ ف ب)

ماذا لو؟

إذا لم يتم تمرير قانون تمويل الحكومة من قبل الكونغرس وتوقيعه من قبل ترامب ليلة الثلاثاء، فسيتم إغلاق العديد من المكاتب الحكومية في جميع أنحاء البلاد بشكل مؤقت.

سيترتب على الإغلاق تسريح الموظفين الفيدراليين غير المعفيين؛ ما يضيف ضغوطاً على العمال والاقتصاد، وهو الأمر الذي قد يرجئ صدور بيانات الوظائف يوم الجمعة المقبل.

ماذا يحدث؟

يتحدى الجمهوريون، الديمقراطيين بالتصويت ضد تشريع من شأنه إبقاء التمويل الحكومي عند مستوياته الحالية في الغالب، لكن الديمقراطيين لا يزالون متمسكين بموقفهم حتى الآن.

في المقابل، يحاول الديمقراطيون استخدام إحدى نقاط نفوذهم القليلة لمطالبة الكونغرس بإقرار تشريع لتوسيع نطاق مزايا الرعاية الصحية بغية الحصول على مكاسب متبادلة.

زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز في مبنى الكابيتول الأميركي، واشنطن العاصمة، في  24 سبتمبر 2025
زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز في مبنى الكابيتول الأميركي، واشنطن العاصمة، في 24 سبتمبر 2025 المصدر: (أ ف ب)

مفاوضات جادة

قال زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، أمس الأحد عن اجتماع اليوم مع ترامب إن: «الاجتماع خطوة أولى، لكنها مجرد خطوة أولى. نحن بحاجة إلى مفاوضات جادة».

بدوره، قال زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، جون ثون: «قال تشاك شومر قبل بضعة أشهر إن إغلاق الحكومة سيكون فوضوياً ومضراً ومؤلماً. وهو محق، ولهذا السبب لا ينبغي لنا القيام بذلك».

هجوم مسبق

لم يُبدِ ترامب اهتماماً يُذكر بمطالب الديمقراطيين بشأن الرعاية الصحية، حتى مع موافقته على عقد اجتماعٍ بعد ظهر يوم الاثنين مع شومر وثون، ورئيس مجلس النواب مايك جونسون، وزعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز.

ترامب قال أكثر من مرة إنه يتوقع تماماً أن تدخل الحكومة في إغلاقٍ حكومي هذا الأسبوع، وكتب في منشور له: «إذا كان لا بدّ من إغلاق الحكومة، فسيكون ذلك ضرورياً. لكنهم هم من يُعطّلون عمل الحكومة».

زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، جون ثون في مبنى الكابيتول الأميركي، في واشنطن العاصمة، في  18 سبتمبر 2025
زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، جون ثون في مبنى الكابيتول الأميركي، في واشنطن العاصمة، في 18 سبتمبر 2025 المصدر: (أ ف ب)

شدّ وجذب

حاولت إدارة ترامب الضغط على المشرعين الديمقراطيين للتراجع عن مطالبهم، محذرة من أنه قد يتم تسريح الموظفين الفيدراليين بشكل دائم في خضم انقطاع التمويل.

إلى ذلك، جادل الديمقراطيون بأن موافقة ترامب على عقد اجتماع تُظهر شعوره بالضغط للتفاوض، ويقولون إنه نظراً لسيطرة الجمهوريين على البيت الأبيض والكونغرس، فإن الأميركيين سيلومونهم في الغالب على أي إغلاق حكومي.

من المرجح أن يضطر الديمقراطيون في مجلس الشيوخ إلى التصويت ضد مشروع قانون لتمديد التمويل الحكومي مؤقتاً يوم الثلاثاء قبل ساعات فقط من الإغلاق، وهو موقف غير مريح للحزب الذي طالما ندد بالإغلاق باعتباره عديم الفائدة ومدمراً.

عتبة الـ60

تم بالفعل إقرار مشروع القانون في مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون، ومن شأنه أن يحافظ على تمويل الحكومة لمدة 7 أسابيع أخرى، بينما يعمل الكونغرس على تشريع الإنفاق السنوي.

أي تشريع لتمويل الحكومة سيحتاج إلى دعم 60 عضواً على الأقل في مجلس الشيوخ، هذا يعني أنه سيتعين على 8 ديمقراطيين على الأقل التصويت لصالح مشروع قانون التمويل قصير الأجل؛ لأنه من المتوقع أن يصوت السيناتور الجمهوري راند بول من كنتاكي ضده.

 زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر  في مبنى الكابيتول الأميركي، بواشنطن العاصمة، في 16 سبتمبر 2025
زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر في مبنى الكابيتول الأميركي، بواشنطن العاصمة، في 16 سبتمبر 2025 المصدر: (أ ف ب)

الإغلاق السابق

خلال الإغلاق الحكومي الذي كان محتملاً في مارس الماضي، صوّت شومر و9 ديمقراطيين آخرين لكسر عرقلة إقرار مشروع قانون تمويل بقيادة الجمهوريين، والسماح بوصوله إلى التصويت النهائي. 

واجه الديمقراطي تشاك شومر سيلاً من الانتقادات اللاذعة من كثيرين في حزبه بسبب هذا القرار، حتى إن البعض طالبه بالتنحي عن زعامة الحزب الديمقراطي.

أعطِ لتأخذ

يسعى الديمقراطيون إلى تمديد الإعفاءات الضريبية لقانون الرعاية الصحية الميسرة، التي دعمت التأمين الصحي لملايين الأشخاص منذ جائحة «كوفيد-19»، ومن المقرر أن تنتهي صلاحية هذه الإعفاءات المصممة لتوسيع نطاق التغطية لتشمل ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، بنهاية العام.

قال شومر: «سمعنا من الشعب الأميركي أنهم بحاجة إلى مساعدة في مجال الرعاية الصحية، وفيما يتعلق بعمليات التسريح الجماعي هذه، فما هو الجواب؟ الإجابة ببساطة: إنهم يفعلون ذلك على أي حال»، في إشارة إلى ترامب وإيلون ماسك في تقليص عدد الموظفين في الحكومة الفيدرالية.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال اجتماع بالبيت الأبيض في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 10 أبريل 2025.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال اجتماع بالبيت الأبيض في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 10 أبريل 2025. المصدر: رويترز

علاقة متوترة

انتهت المفاوضات الأخيرة في أغسطس بين شومر والرئيس لتسريع وتيرة تصويت مجلس الشيوخ على تعيين مسؤولي الإدارة، بقول ترامب لشومر «اذهب إلى الجحيم» في منشور على منصة «تروث سوشيال».

كما ألغى ترامب بشكل مفاجئ اجتماعاً كان من المقرر عقده مع زعماء الكونغرس الأسبوع الماضي، واصفاً مطالب الديمقراطيين بأنها «غير جدية وسخيفة».

بدوره، اعتبر شومر أن عودة البيت الأبيض لإعادة جدولة اجتماع اليوم الاثنين أظهرت أنهم «شعروا بالخطر».

خلف الكواليس

قبل تولي ترامب بفترة وجيزة دخلت الولايات المتحدة فصلاً سياسياً جديداً بعد انتخابات نوفمبر الماضي، التي نتج عنها سيطرة الجمهوريين على البيت الأبيض، ومجلس النواب، ومجلس الشيوخ في وقت واحد.

بدأ المشرعون الأميركيون دورة برلمانية جديدة في نوفمبر الماضي، في وقت يسيطر فيه الجمهوريون على مجلسي الكونغرس بأغلبية بسيطة جداً تبلغ 220 نائباً مقابل 215 في مجلس النواب، و53 سيناتورا مقابل 47 في مجلس الشيوخ.

تعد أغلبية الجمهوريين في مجلس النواب، الصغرى في التاريخ الحديث، ويعني هذا الهامش الضيق أن الحزب الجمهوري سيحتاج لإجماع كامل للحصول على أي شيء في المجلس، وهو ما يمنح كل عضو جمهوري سلطة كبيرة لعرقلة أي تشريع إذا لم يتم الاتفاق معه.