هل تستطيع المدينة التحرر من الاعتماد على النفط؟

البصرة، المدينة العراقية الجنوبية الغنية بثروتها النفطية الهائلة، بدأت تُظهر مؤشرات إيجابية على تعافٍ اقتصادي بعد سنوات من التراجع والانكماش. تشهد المدينة اليوم تسارعاً في مشاريع البنية التحتية وتدفقات استثمارية أجنبية، إلى جانب استقرار نسبي يعزز فرص استعادة الثقة، رغم أن الطريق لا يزال مليئاً بالتحديات المعقدة، وفقاً لتقرير حديث لـ«المجلس الأطلسي».

تحسينات في البنية التحتية

شهدت الأشهر الأخيرة في البصرة تحسناً ملحوظاً في البنية التحتية، من خلال إعادة تأهيل شبكة الطرق الحيوية وتنظيف وسط المدينة الذي ظل مهملاً لسنوات. كما برزت مبانٍ تجارية وسكنية حديثة أعادت تشكيل المشهد العمراني، إضافة إلى افتتاح فنادق ومطاعم ذات طابع حديث، مما منح بعض أحياء المدينة مظهراً أكثر حيوية وانفتاحاً مقارنة بالماضي.

على الصعيد الأمني، ساهم التحسن في خلق بيئة أكثر استقراراً للأعمال، حيث باتت الشركات قادرة على التخطيط بثبات، كما شهد مطار البصرة تنظيماً ملحوظاً في إجراءات الهجرة والجمارك بعد فترات من الفوضى. مع ذلك، لا تزال الضغوط قائمة، خاصة مع تزايد أعداد المسافرين والعمالة الأجنبية، بحسب التقرير.

حضور صيني متنامٍ

يبرز الوجود المتزايد للعمالة والشركات الصينية في البصرة، خصوصاً في مجالات النفط والبنية التحتية، كجزء من توسع استراتيجي لبكين في العراق، وفق تحليلات «المجلس الأطلسي». هذا الحضور يعكس تحوّلاً في شراكات العراق الاقتصادية التي تسعى للحفاظ على توازن علاقاتها مع القوى الاقتصادية الكبرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا، في سياق يسعى فيه العراق لتنويع استثماراته وتعزيز دوره الإقليمي.

رغم هذه المكاسب، تبقى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية قائمة وجذرية. سكان البصرة لا ينسون المفارقة المؤلمة بين ضخامة ثروات المحافظة النفطية وهشاشة الخدمات الأساسية التي يعيشونها يومياً. الاحتجاجات الصيفية المتكررة تبرز مطالب مستمرة بالكهرباء والمياه الصالحة للشرب والوظائف والرعاية الصحية، ما يعكس عمق الفجوة بين الموارد النفطية والتنمية المحلية.

تظل الأزمة المائية من أبرز التحديات، مع تراجع تدفقات نهري دجلة والفرات بسبب السدود في تركيا وإيران، وارتفاع نسبة الملوحة جراء تسرب مياه الخليج إلى شط العرب. هذا إلى جانب تدهور البنية التحتية وفشل مشاريع معالجة المياه المتكررة التي زادت من تفاقم الوضع البيئي والصحي، بحسب ما رصدته الدراسة.

بساتين النخيل تستعد لموسم جني التمور في البصرة ، جنوب العراق – 2 سبتمبر 2025 المصدر: رويترز

وعود حكومية مع تحفظات شعبية

حاول رئيس الوزراء محمد شياع السوداني استعادة ثقة السكان بإطلاق مشاريع جديدة، مثل عقد مع شركة «باور تشاينا» لبناء منشآت متطورة لمعالجة المياه. لكن الحذر الشعبي لا يزال سائداً بسبب تاريخ طويل من المشاريع المتوقفة بفعل الصراعات السياسية وأزمات التمويل، مما يجعل الثقة في التحولات الاقتصادية محدودة إلى حد كبير، حسب تقييم «المجلس الأطلسي».

النفط ومأزق الغاز المحروق

يرتكز اقتصاد البصرة بشكل رئيسي على النفط، ما يمنحها ثروة مالية كبيرة لكنه يرافقه أعباء بيئية واقتصادية. لا تزال مشكلة حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط تؤثر سلباً على البيئة وصحة السكان، رغم تراجع معدلات الحرق مقارنة بالسنوات السابقة. ويؤكد التقرير أن الاستثمار الكامل في الغاز المصاحب من شأنه تقليل الأضرار البيئية وتوفير مصادر طاقة محلية ضرورية في ظل أزمة الكهرباء المزمنة.

تعتمد موازنة الدولة بشكل كبير على عوائد النفط، بينما يشكل القطاع العام عبئاً كبيراً بسبب الرواتب، ما يقلص القدرة على الاستثمار في البنية التحتية وإعادة الإعمار. من دون إصلاحات هيكلية حقيقية، وتنمية القطاع الخاص، وجذب شراكات دولية أوسع، سيبقى النمو الاقتصادي هشاً ومتقلباً حسب أسعار النفط.

البعد السياسي وتأثيره على التنمية

يمثل البعد السياسي عاملاً حاسماً في مستقبل البصرة. المدينة تشهد تنافساً بين أحزاب ومليشيات وقوى قبلية تتحكم في موارد النفط والموانئ والجمارك. رغم الاستقرار النسبي الذي أحرزه محافظ البصرة أسعد العيداني، فإن وتيرة التنمية لا تزال دون الطموحات ولا توازي حجم مساهمة المحافظة في الاقتصاد الوطني. كما أن انشغال جزء كبير من الطبقة السياسية بمصالح خاصة يعوق تنفيذ الإصلاحات الضرورية.

لا يمكن فصْل ما يحدث في البصرة عن المشهد الوطني. بغداد ومدن أخرى تشهد مشاريع إسكان وتجارية جديدة بدعم حكومي واستثمارات خارجية. ويسعى رئيس الوزراء السوداني، بخبرته الهندسية، إلى التركيز على إعادة الإعمار عبر مشروعات سكنية وجسور ومشاريع طاقة.

دولياً، يسعى العراق إلى تنويع شراكاته الاقتصادية بين الصين، التي عززت حضورها بشكل ملحوظ، والشركات الغربية التي تظل نشطة، مع محاولة الحكومة تحقيق توازن لضمان استثمارات مستدامة وتجنب الاعتماد على طرف واحد.

تفاؤل مشوب بالحذر

المشهد الحالي في البصرة يدعو إلى التفاؤل بحذر. فوعود الإصلاح والتنمية تكررت منذ 2003، لكن الخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة ما تزال نادرة، والبطالة مرتفعة، والخدمات العامة دون المستوى المطلوب. بالمقابل، هناك تحسن نسبي في الاستقرار، وبنية تحتية متجددة، وشراكات دولية تتوسع، وجهود بيئية بدأت تؤتي ثمارها.

ويظل التحدي الأكبر هو قدرة الدولة العراقية على تحويل ثروتها النفطية إلى تنمية مستدامة، والتعامل بصرامة مع الفساد، وتحسين الخدمات العامة. وإلى أن يتحقق ذلك، ستبقى البصرة عند مفترق طرق، بين أعباء أزماتها السياسية وإمكانات الانتقال إلى مرحلة ازدهار طال انتظارها، وفق التقرير الصادر عن «المجلس الأطلسي».