الاتزان الاستراتيجي المصري: أبعاد الشراكة الشاملة مع أوروبا وتأثيرها الإقليمي

الاتزان الاستراتيجي المصري: أبعاد الشراكة الشاملة مع أوروبا وتأثيرها الإقليمي

شهدت العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي نقلة نوعية كبرى في عام 2024، بترقيتها إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، وهو تحول يتجاوز مفهوم الجوار التقليدي ليؤسس لتعاون أعمق وأوسع نطاقاً. هذا التطور، الذي توج بتوقيع إعلان مشترك في 17 مارس 2024، يعكس جوهر عقيدة السياسة الخارجية المصرية القائمة على «الاتزان الاستراتيجي» الذي حدده الرئيس عبد الفتاح السيسي، ويهدف إلى تعزيز المصالح الوطنية المصرية عبر توسيع خيارات الحركة والشراكة الخارجية، مدعوماً بحزمة دعم مالي للاستقرار الاقتصادي بقيمة 7.4 مليار يورو.

ينطلق مفهوم الاتزان الاستراتيجي، الذي أصبح بوصلة السياسة الخارجية المصرية في الجمهورية الجديدة، من ضرورة تنويع الشراكات لتحقيق المصلحة الوطنية. فبعد الأزمات الممتدة التي شهدها العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، والالتباسات التي طرأت على العلاقات المصرية الأوروبية عقب ثورة 30 يونيو، نجحت السياسة الخارجية المصرية في تجاوز هذه التعقيدات. أقامت مصر شراكات استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي ودول أوروبية رئيسية مثل إيطاليا وألمانيا وفرنسا واليونان وقبرص، بالإضافة إلى روسيا، مما يمثل تطبيقاً عملياً لهذا المبدأ في توسيع خيارات الحركة والشراكة الخارجية.

لم تكن هذه الشراكة مجرد استمرارية لأطر سابقة، فقد عملت السياسة الخارجية المصرية على مدار السنوات العشر الماضية على تطوير العلاقة مع الاتحاد الأوروبي بما يتجاوز اتفاق المشاركة المصرية الأوروبية الموقع عام 2001 وسياسة الجوار الأوروبي التي أطلقت عام 2004. وقد اقتضى ذلك تحركاً مصرياً مكثفاً مع الدول الأوروبية ومؤسسات الاتحاد اعتباراً من عام 2013، وبشكل خاص منذ إتمام الاستحقاقات الدستورية وإجراء الانتخابات الرئاسية في مصر عام 2014، لشرح تفاصيل الوضع والتطورات الشعبية والسياسية الكبرى التي أطلقتها ثورة 30 يونيو 2013، وهو ما كان شرطاً ضرورياً لإطلاق أي حوار جدي لتعزيز العلاقات.

في عام 2015، انطلقت عملية تشاورية بين الاتحاد الأوروبي وشركائه لتطوير سياسة الجوار الأوروبية، حيث أدت المبادرة المصرية في صياغة السياسة الجديدة إلى تنقية الإطار الناظم من عدة مشروطات سابقة، أبرزها مبدأ «المزيد من أجل المزيد». ركزت هذه المبادرة على إبراز خصوصية ظروف كل دولة والتباين فيما بينها، وأهمية مبدأ المساءلة المشتركة واحترام كل طرف التزاماته ومسؤولياته، مما أرسى أساساً لعلاقة ندية صحية. وقد اعتمد الجانبان أول وثيقة لأولويات المشاركة للفترة من 2017 إلى 2020 في يوليو 2017، تلتها وثيقة مفصلة للفترة من 2021 إلى 2027 اعتمدت في يونيو 2022.

توجت هذه الجهود بالنقلة الكبرى في عام 2024، حيث تم ترفيع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. جرى التوقيع على الإعلان المشترك في 17 مارس 2024 بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، بحضور رؤساء وزراء إيطاليا وبلجيكا ورئيس قبرص ومستشار النمسا. تضمن الإعلان ستة محاور رئيسية للتعاون، أبرزها الاتفاق على عقد قمة رئاسية بين الرئيس ورئيسة المفوضية الأوروبية مرة كل عامين بالتناوب بين القاهرة وبروكسل، بالإضافة إلى حزمة الدعم المالي للاستقرار الاقتصادي بقيمة 7.4 مليار يورو.

جاءت هذه التطورات ثمرة لتفاعل دبلوماسي مكثف وزيارات متبادلة على أرفع المستويات. من ذلك زيارة الرئيس السيسي إلى بروكسل في فبراير 2022 لحضور قمة الاتحاد الأوروبي – الاتحاد الإفريقي، ولقاءاته مع رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي في نيودلهي على هامش قمة مجموعة العشرين في سبتمبر 2023. كما قامت رئيسة المفوضية الأوروبية بزيارة إلى مصر في 17 نوفمبر 2023، حيث التقت الرئيس السيسي وزارت مطار العريش لاستقبال المساعدات الأوروبية لغزة، ضمن مباحثات أوسع حول العلاقات الثنائية والإعداد لتدشين وثيقة الشراكة الاستراتيجية.

تؤكد الأرقام على الأهمية الاقتصادية لهذه الشراكة، فالكتاب الصادر عن وزارة الخارجية يشير إلى أن الاتحاد الأوروبي يعد الشريك التجاري الأول لمصر، مستحوذاً على 25% من إجمالي تجارتها الخارجية. وقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين الجانبين من 23 مليار يورو عام 2014 إلى 32.5 مليار يورو عام 2024. تتركز الصادرات المصرية إلى الاتحاد الأوروبي في الوقود والمنتجات التعدينية والكيماويات والمنتجات الزراعية، كما أن الاتحاد الأوروبي هو المستثمر الأجنبي الأول في مصر، بإجمالي استثمارات بلغت 27.6 مليار يورو عام 2022.

على الرغم من الجذور التاريخية العميقة للعلاقات بين مصر والقارة الأوروبية، والتي وصفها العالم الجغرافي د. جمال حمدان بأن مصر ظلت المعبر الضروري وحلقة الوصل، فإن الارتقاء بالعلاقات من مجرد جوار جغرافي إلى شراكات استراتيجية شاملة لم يكن أمراً تلقائياً. بل هو نتاج سياسة مصرية واعية تهدف إلى تنويع الخيارات الاستراتيجية وتأمين المصالح الوطنية في عالم متغير، مدركة أن الفهم الدقيق للتحولات الداخلية المصرية كان مفتاحاً لإعادة بناء الثقة وإطلاق حوار استراتيجي حقيقي.