«الاتزان الاستراتيجي».. وثيقة الخارجية المصرية لكشف عقيدة مكافحة الإرهاب وتفكيك شبكات التمويل

«الاتزان الاستراتيجي».. وثيقة الخارجية المصرية لكشف عقيدة مكافحة الإرهاب وتفكيك شبكات التمويل

يوثق كتاب «الاتزان الاستراتيجي» الصادر عن وزارة الخارجية المصرية، المنهجية التي تبنتها القاهرة خلال السنوات العشر الماضية لتحويل مكافحة الإرهاب من مجرد عمليات أمنية ردعية إلى منظومة دبلوماسية وقانونية دولية، ترتكز على حماية «الدولة الوطنية» ومحاصرة ممولي التطرف عالميًا. الوثيقة لا تسرد الأحداث فحسب، بل تشرح كيف نجحت الدبلوماسية المصرية في بناء تحالفات مع القوى الكبرى (الشرقية والغربية) لفرض رؤية شاملة ترفض التمييز بين تنظيم إرهابي وآخر، وتعتبر الحفاظ على مؤسسات الدول هو خط الدفاع الأول ضد الفوضى.

عقيدة «الدولة الوطنية» في مواجهة الفراغ الأمني

تكمن القيمة الجوهرية للتحرك المصري بعد 30 يونيو 2013 في التشخيص الدقيق لمسببات الإرهاب، حيث يوضح الكتاب أن الخطر لم يكن نابعًا فقط من الداخل الرافض للفاشية الدينية، بل تفاقم بسبب «سيولة إقليمية» وانهيار جيوش ومؤسسات في دول الجوار. هذا الفراغ سمح للميليشيات بملء المساحات التي تركتها الدول المنهارة، مما جعل الرؤية المصرية تتجاوز الحلول العسكرية المباشرة إلى ضرورة «تثبيت أركان الدول» ومنع التدخلات الخارجية التي تستثمر في هذه الميليشيات، باعتبار أن الإرهاب يهدد السلم الدولي ولا يقتصر على رقعة جغرافية محددة.

هندسة القرار الدولي: من مجلس الأمن إلى «البريكس»

لم تكتفِ مصر بالدفاع عن حدودها، بل نقلت المعركة إلى أروقة الأمم المتحدة، مستغلة عضويتها في مجلس الأمن (2016-2017) ورئاستها للجنة مكافحة الإرهاب (CTC) لفرض ملفات شائكة كانت تُهمل سابقًا. وشملت هذه الجهود:

  • تجفيف المنابع: استصدار قرارات ملزمة لمنع تمويل الإرهاب وملاحقة «المقاتلين الأجانب» العائدين من بؤر الصراع.
  • الأمن السيبراني: وضع ضوابط لمنع استخدام الإنترنت ومنصات التواصل كأدوات للتجنيد والدعاية.
  • تحييد الطيران: التعاون مع «الإيكاو» لضمان عدم استخدام الطيران المدني في عمليات إرهابية.

وامتد هذا التأثير ليشمل انضمام مصر لمجموعة عمل مكافحة الإرهاب في تجمع «البريكس»، ورئاستها لمجموعة مكافحة الفكر المتطرف، مما يعكس تنوعًا في الشراكات الأمنية يتجاوز التحالفات التقليدية.

مبدأ «المسؤولية والمحاسبة» للدول الراعية

تطرح الوثيقة نقطة خلافية حسمتها الدبلوماسية المصرية، وهي رفض سياسة «الملاذات الآمنة». حيث شددت القاهرة في محافل مثل المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب (GCTF) والمشاورات الثنائية مع قوى مثل (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، والاتحاد الأوروبي) على ضرورة محاسبة الدول التي تقدم غطاءً سياسيًا أو ماليًا للتنظيمات المسلحة. الرسالة المصرية كانت واضحة: لا نجاح لأي استراتيجية دولية دون «إرادة سياسية» تواجه الدول الراعية للإرهاب بنفس حزم مواجهة الإرهابيين أنفسهم.

تصحيح مفاهيم:
قد يعتقد البعض أن القضاء على الإرهاب ينتهي بتصفية العناصر المسلحة ميدانيًا، لكن الرؤية التي يطرحها «الاتزان الاستراتيجي» تؤكد أن المعركة الأشرس هي «المعركة الفكرية والتمويلية». فبدون تفكيك البنية الأيديولوجية وقطع خطوط الإمداد المالي العابرة للحدود، تظل العمليات العسكرية مجرد حلول مؤقتة لا تمنع ظهور جيل جديد من المتطرفين.