لم تعد الشهادة الجامعية وحدها تضمن الحصول على وظيفة في ظل التغيرات المتسارعة بسوق العمل والتكنولوجيا. هذا ما يجمع عليه خبراء التعليم والتكنولوجيا، مؤكدين أن مفهوم «كليات القمة» التقليدي تراجع أمام جدارات الخريج وقدرته على التعلم الذاتي المستمر ومواكبة الذكاء الاصطناعي.
فجوة المناهج وسوق العمل: لماذا لم تعد الشهادة وحدها تكفي؟
يرى الدكتور محمد علي عز العرب، أستاذ الكبد المتفرغ ومؤسس وحدة أورام الكبد بالمعهد القومي للكبد والسكرتير العام لجمعية السرطان المصرية والمستشار الطبي للجمعية المصرية للحق في الدواء، أن المشكلة الأساسية في منظومة التعليم العالي تكمن في وجود فجوة بين ما يتلقاه الطالب داخل الجامعة وبين متطلبات سوق العمل الفعلية. ويشير إلى أن السؤال التقليدي الذي يواجه الطالب بعد الثانوية العامة يجب أن يتغير من التركيز على المجموع واسم الكلية إلى البحث عن المهارات التي يمتلكها ويمكنه تقديم قيمة حقيقية من خلالها لصاحب العمل.
ويضيف عز العرب أن البرامج الجامعية تواجه عقبة البطء في تعديل المناهج واللوائح التي تتطلب وقتاً طويلاً، بينما تتغير التكنولوجيا وطبيعة الوظائف بوتيرة أسرع بكثير، مما يؤدي إلى تخرج الطلاب بمهارات لا تتطابق بالكامل مع احتياجات السوق لحظة دخولهم إليه.
من جانبه، يؤكد الدكتور محمد فتح الله، أستاذ القياس والتقويم والإحصاء النفسي والتربوي بالمركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي ورئيس مجلس أمناء المؤسسة القومية للبحوث والاستشارات والتدريب، أن المناهج الجامعية الحالية لا تساير سرعة التغيرات التكنولوجية ومصادر الطاقة التي تفرض اختفاء وظائف وظهور أخرى. ويطالب فتح الله بإجراء عملية «هندرة» شاملة للمنظومة التعليمية لا تقتصر على المحتوى فقط، بل تمتد لتشمل نواتج التعلم المستهدفة، وأساليب التدريس، والأنشطة التعليمية.
من «كلية القمة» إلى «طالب القمة»: كيف تغيرت معايير التوظيف؟
يؤكد الدكتور محمد عزام، استشاري إدارة التكنولوجيا، أن الكلية لا تضمن وظيفة للخريج، نظراً لأن التخصصات التي كانت تتمتع بفرص عمل قوية في الماضي قد تتراجع نتيجة التحولات التكنولوجية. ويوضح عزام أن القيمة الحقيقية التي يجب أن يكتسبها الطالب خلال سنوات دراسته هي القدرة على التعلم المستمر والذاتي، لأن المهارات المطلوبة قد تتغير بعد سنوات قليلة من التخرج.
ويرفض عزام فكرة تصنيف بعض الكليات كـ«كليات قمة» تضمن النجاح المهني تلقائياً، مؤكداً أن الأصح هو أن يكون الشخص نفسه «طالب قمة» عبر دراسة المجال الذي يحبه ويتفوق فيه. ويشير إلى أن أصحاب الأعمال يركزون على شخصية المتقدم، وقدرته على العمل الجماعي، وإدارة الوقت، والاندماج في بيئة العمل، والتعلم المستمر، إلى جانب الشهادة. ويضرب مثلاً بخريج الهندسة الراغب في العمل بمجال التصنيع المتقدم؛ إذ لا تكفيه الشهادة وحدها بل يحتاج إلى مهارات التعامل مع الآلات الذكية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وفهم سلاسل الإمداد.
هل تتحول الجامعات إلى «مصانع موظفين»؟
رغم المطالبات المستمرة بمواكبة متطلبات سوق العمل، يرفض الدكتور محمد فتح الله خضوع التعليم الكامل لرغبات أصحاب الأعمال وتحويل الجامعات إلى «مصانع موظفين». ويوضح أن دور التعليم يتجاوز التأهيل المهني إلى بناء شخصية الطالب، وتنمية وعيه، وتعزيز انتمائه وهويته، وترسيخ قيم الانضباط والالتزام، مما يتطلب تحقيق توازن مرن بين متطلبات السوق والدور التربوي والإنساني للتعليم.
مجموع الثانوية العامة: هل يصلح معياراً وحيداً لاختيار التخصص؟
يمثل مجموع الثانوية العامة معبراً عن التحصيل الدراسي للطالب، ويوفر مكتب التنسيق ضمانة لتحقيق العدالة، وفقاً لرؤية الدكتور محمد فتح الله، لكنه يقترح تطوير هذه المنظومة عبر إدخال اختبارات الاستعدادات والقدرات لقياس مدى ملاءمة الطالب للتخصص بدلاً من الاعتماد على المجموع الرقمي وحده.
ويتفق الدكتور محمد علي عز العرب مع هذا الطرح، مؤكداً أن الاعتماد المفرط على المجموع الرقمي يحتاج إلى مراجعة، لأن الدرجة الأكاديمية لا تتنبأ بمفردها بالقدرات الإنتاجية للخريج أو نجاحه المهني.
وعن كيفية اختيار التخصص، يرى فتح الله أن الاختيار السليم يجب أن يمزج بين ميول الطالب، ومجموعه، ورغبة الوالدين، وآراء المحيطين به. بينما يشدد الدكتور محمد عزام على ضرورة التركيز على دراسة المجال الذي يتيح للطالب التفوق والإبداع، والانتقال من سؤال «ما الكلية الأعلى؟» إلى «ما المجال الذي أستطيع التفوق فيه وما المهارات التي أحتاجها للمنافسة؟».
حلول عملية لسد الفجوة بين التعليم الأكاديمي والواقع المهني
يقترح الدكتور محمد علي عز العرب حزمة من الإجراءات العملية لتجاوز هذه الفجوة:
- تحويل التدريب الميداني إلى جزء أساسي، معتمد، وحقيقي من التجربة الجامعية، بدلاً من الأنشطة الصيفية الشكلية.
- تأسيس مجالس للمهارات القطاعية تضم ممثلين عن الجهات المهنية والصناعية والتكنولوجية لمراجعة البرامج التعليمية دورياً.
- إعادة هندسة التخصصات الجامعية لترتبط بالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والبرامج البينية التي تجمع بين مجالات معرفية متعددة (مثل المجالات الطبية، الإنسانية، القانونية، والتجارية).
هل تضمن كليات القمة مستقبلاً مهنياً مضموناً؟
لا تضمن أي كلية وظيفة بمفردها حالياً؛ فالواقع العملي يثبت أن خريجي الكليات التقليدية غير المصنفة كـ«قمة» قد يحققون نجاحاً أكبر إذا امتلكوا المهارات المطلوبة، بينما قد يتعثر خريج «كلية القمة» بغياب الجدارات الشخصية والعملية.
ما المهارات الأساسية التي يبحث عنها أصحاب العمل الآن؟
يبحث أصحاب العمل عن شخصية المتقدم، وقدرته على العمل الجماعي، وإدارة الوقت، والاندماج في بيئة العمل، والقدرة على التعلم الذاتي المستمر لمواكبة الأدوات التكنولوجية الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي.
كيف يمكن للطالب سد الفجوة بين دراسته الأكاديمية وسوق العمل؟
عبر الانخراط في التدريب الميداني المعتمد أثناء الدراسة، واكتساب المهارات المطلوبة للتخصص المستهدف من خلال الدورات والتعلم الذاتي، وعدم الاعتماد الكلي على المناهج الجامعية التي قد تستغرق وقتاً طويلاً لتحديثها.
