يمثل افتتاح أكثر من 34 ألف مشروع صناعي في العراق خلال السنوات الثلاث الماضية بداية تحول فعلي في بنية الاقتصاد العراقي، حيث تهدف هذه الطفرة إلى كسر التبعية المطلقة للنفط وتوطين الصناعات التحويلية. هذا النمو ليس مجرد زيادة عددية، بل هو استجابة مباشرة لحزمة تسهيلات حكومية وقرارات محفزة للقطاع الخاص، مما يضع الصناعة المحلية في مواجهة مباشرة مع تحدي سد فجوة الاستهلاك التي كان يغطيها الاستيراد.
محركات النمو الصناعي ودور المجلس التنسيقي
يكمن السر وراء هذا التسارع في تغيير آلية التعامل مع المستثمرين؛ حيث أدى تشكيل «المجلس التنسيقي الصناعي» إلى نقل العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص من البيروقراطية التقليدية إلى الحلول الفنية المباشرة. وبحسب عادل عكاب، رئيس اتحاد الصناعات العراقي، فإن هذه المشاريع توزعت على مختلف المحافظات، مما يعني توزيعاً جغرافياً جديداً للنشاط الاقتصادي يقلل من تركز الثروة والفرص في العاصمة وحدها، ويخلق بيئة استثمارية محلية قادرة على الصمود أمام تقلبات أسعار الطاقة العالمية.
تحليل إجازات التأسيس لعام 2025
تعكس البيانات الصادرة عن وزارة الصناعة والمعادن لعام 2025 واقعاً يتسم بالنمو التدريجي، حيث تم منح 2188 إجازة تأسيس لمشاريع القطاع الخاص. ومن الضروري فهم دلالة هذه الأرقام وفق التقسيم التالي:
| نوع الإجازة | العدد (2025) | الحالة القانونية والإنتاجية |
|---|---|---|
| تحت التأسيس | 1849 | مشاريع في طور استكمال الموافقات والبناء |
| تأسيس كامل | 339 | مشاريع استوفت الشروط وجاهزة للتشغيل الفعلي |
| الإجمالي | 2188 | مؤشر نمو القطاع الخاص خلال عام واحد |
توضح ضحى الجبوري، المتحدثة باسم الوزارة، أن المشاريع «تحت التأسيس» تمثل مخزوناً إنتاجياً مستقبلياً، حيث لا تكتمل صفتها القانونية إلا بعد استيفاء كافة الموافقات، مما يضمن تنظيم النشاط الصناعي ومنع العشوائية في التوسع.
تصحيح مفاهيم: هل كثرة المشاريع تعني الاكتفاء الذاتي؟
هناك تصور خاطئ بأن منح آلاف التراخيص يؤدي فوراً إلى خفض الأسعار أو تحقيق الاكتفاء الذاتي. الحقيقة أن استدامة هذه المشاريع الـ 34 ألفاً تعتمد كلياً على معالجة ثلاثة تحديات مزمنة: استقرار إمدادات الطاقة للمصانع، توفر التمويل البنكي الميسر، وحماية المنتج المحلي من المنافسة غير العادلة للسلع المستوردة الرخيصة. بدون هذه الركائز، قد تتحول بعض هذه الإجازات إلى مشاريع متعثرة قبل وصولها لمرحلة الإنتاج الكامل.
أثر التوجه الصناعي على بيئة الأعمال
إن منح 339 إجازة تأسيس كاملة في عام 2025 يؤكد وجود مسار سريع للمستثمرين الجادين الذين استوفوا المعايير الفنية. هذا التوجه يعزز الثقة في بيئة الأعمال العراقية، ويشجع رؤوس الأموال المحلية على التحول من قطاع التجارة والاستيراد إلى قطاع الصناعة والإنتاج، وهو التحول الوحيد القادر على خلق فرص عمل مستدامة بعيداً عن الموازنة العامة للدولة.
