دخلت مصر رسمياً عصر تصنيع الأدوية الحيوية المعقدة بحصول مصنع «إيبيكو 3» بمدينة العاشر من رمضان على رخصة التشغيل، ليكون أول منشأة صناعية في البلاد تُشيد بالكامل بتقنية «البناء المسبق» (Modular Construction)، مما ينهي عقوداً من الاعتماد الكلي على استيراد بدائل أدوية السرطان والمناعة بالعملة الصعبة. هذا الترخيص ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعلان عن جاهزية مصر لإنتاج أكثر أنواع المستحضرات الطبية تعقيداً وحساسية وفق أعلى معايير التعقيم العالمية.
لماذا تمثل الأدوية الحيوية “أمناً قومياً” لمصر؟
تعد الأدوية الحيوية والبدائل الحيوية (Biosimilars) حجر الزاوية في علاج الأمراض المستعصية والمزمنة، وتصنيعها محلياً يعني كسر احتكار الشركات العالمية وخفض التكلفة على المريض المصري. وخلافاً للأدوية الكيميائية التقليدية، تُصنع هذه المستحضرات باستخدام خلايا حية وتقنيات بيولوجية دقيقة، وتُستخدم في علاج الأورام، أمراض المناعة الذاتية، أمراض الدم، وحالات العقم. توطين هذه الصناعة داخل «إيبيكو 3» يضمن تأمين سلاسل الإمداد محلياً بعيداً عن تقلبات الأسواق العالمية وضغوط العملة الصعبة.
تقنية «البناء المسبق».. كيف وصل المصنع “جاهزاً” من الخارج؟
اعتمد مشروع «إيبيكو 3» على تكنولوجيا البناء الوحدوي لضمان دقة هندسية وبيئة تعقيم لا يمكن تحقيقها عبر البناء الخرساني التقليدي. تم تصنيع وحدات المصنع بالكامل، بما في ذلك الغرف المعقمة وأنظمة التهوية الدقيقة، داخل مصانع متخصصة في الخارج، ثم شُحنت إلى مصر لتركيبها فوق القواعد المعدة مسبقاً. هذا الأسلوب اختصر زمن التنفيذ بشكل قياسي، حيث جرى تجهيز الموقع بالتوازي مع تصنيع الوحدات، مما سرّع من دخول المشروع مرحلة التشغيل الفعلي.
قائمة الأدوية والبدائل الحيوية التي سينتجها مصنع «إيبيكو 3»
يستهدف المصنع إنتاج حزمة من الأدوية عالية القيمة التي تستنزف ميزانيات ضخمة من منظومة العلاج، وعلى رأسها بدائل حيوية لأدوية عالمية شهيرة. تشمل القائمة مستحضر «أداليماب» (Adalimab) البديل الحيوي لدواء «هيوميرا» لعلاج الروماتويد والصدفية، إضافة إلى بدائل حيوية لعلاجات الأورام مثل «تراستوزوماب» (بديل هيرسبتين) لسرطان الثدي، و«ريتوكسيماب» (بديل مابثيرا) لأورام الغدد الليمفاوية، و«بيفاسيزوماب» (بديل أفاستين) لعلاج سرطانات القولون والرئة.
كما يمتد خط الإنتاج ليشمل أدوية أمراض الدم مثل «إريثروبويتين» و«داربيبوتين» لعلاج الأنيميا الناتجة عن الفشل الكلوي، بالإضافة إلى هرمون تنشيط الحويصلة (FSH) المستخدم في برامج علاج تأخر الإنجاب. إنتاج هذه الأصناف محلياً سيوفرها بأسعار أقل بنسب ملحوظة مع الحفاظ على نفس الفاعلية والجودة العالمية.
ما وراء رخصة التشغيل.. تحول جذري في خريطة الدواء الإقليمية
حصول المصنع على رخصة التشغيل يضعه في مصاف الاستثمارات الدوائية الاستراتيجية التي تفتح الباب أمام التصدير للأسواق الإقليمية والدولية. التصميم الذي يراعي معايير الجودة العالمية منذ اللحظة الأولى يسهل الحصول على الاعتمادات الدولية، مما يحول مصر إلى مركز إقليمي لصناعة البدائل الحيوية في الشرق الأوسط وأفريقيا. «إيبيكو 3» لا يقدم مجرد منتجات دوائية، بل يؤسس لنموذج صناعي يعتمد على التكنولوجيا الفائقة لضمان السيادة الدوائية.
