يعود مسؤولو المال الدوليون إلى بلدانهم بشيء من الارتياح إزاء الصمود المفاجئ للاقتصاد العالمي أمام سلسلة الصدمات السياسية خلال الأشهر التسعة الأولى من الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكنهم في الوقت نفسه يشعرون بالإرهاق من حالة عدم اليقين التي لا تنتهي بشأن ما ينتظرهم.
أشكال مختلفة من عدم اليقين في ظل حرب الرسوم
وأضاف مسؤول في الوفد الياباني الذي شارك في اجتماعات واشنطن: «يبدو أن الاقتصاد العالمي أكثر مرونة مما كنا نعتقد قبل بضعة أشهر، لكن لا مجال للاسترخاء في ظل أشكال مختلفة من عدم اليقين، وقد دار نقاش واسع حول هذه الشكوك».
وقد أبرز أسبوع من الشد والجذب بين الولايات المتحدة والصين هذه النقطة بوضوح، بعدما ردّ ترامب على فرض بكين قيوداً جديدة على تصدير المعادن النادرة بإعادة فرض رسوم جمركية بنسبة 100% على الواردات الصينية إلى أميركا.أدى تصاعد التوترات بين أكبر اقتصادين في العالم إلى تركيز المشاركين في الاجتماعات على البحث عن ترتيبات تجارية جديدة خارج إطار العلاقات الأميركية- الصينية.وقالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، إنها نادراً ما شهدت هذا القدر من «التفاعل البنّاء» في الاجتماعات نصف السنوية لمسؤولي المال ومحافظي البنوك المركزية.وأضافت: «ربما لأن درجة عدم اليقين مرتفعة جداً، فلم يعد هناك متسع للعروض المسرحية، وربما لأن كثيراً من الدول باتت تدرك أن التعاون الدولي -الذي كان يُعتبر أمراً بديهياً- لا يجب أن نعتبره مضموناً بعد الآن».
العالم يحتاج إلى تعزيز الروابط الإقليمية والثنائية
أشارت غورغييفا ومديرة منظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو-إيويلا إلى أنه من الإيجابي أن التوتر بين الصين وأميركا -رغم حدّته- لم يتحوّل إلى حرب تجارية شاملة، ولاحظتا أن كثيراً من الدول تسعى في الواقع إلى توسيع علاقاتها الثنائية والإقليمية.وقالت وزيرة المالية النيوزيلندية نيكولا ويليس إنها تتوقع أن يكتسب هذا الاتجاه زخماً في ظل تزايد الضبابية الجيوسياسية والاقتصادية، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي يدرس الآن الانضمام إلى «اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ»، وهي اتفاقية تجارة حرة تضم 11 دولة.وأضافت ويليس: «كل تلك العلاقات التجارية قوية جداً، والرسائل التي نتلقاها من شركائنا واضحة: يريدون البناء عليها وتوسيعها، لا السير في الاتجاه المعاكس».وقالت وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي المصرية، رانيا المشاط، خلال فعالية يوم السبت، إن التعاون الإقليمي المتزايد هو «نتيجة» للتطورات العالمية، لكنه سيظل مهماً في المستقبل.
الحاجة إلى إصلاحات شاملة في الاقتصاد العالمي
وسلّط الوضع الحالي الضوء على التوترات داخل الاقتصاد العالمي، بما في ذلك اختلالات الحسابات الخارجية «المفرطة»، ومستويات الدين شبه القياسية، وتنامي القلق من قطاع التمويل غير المصرفي، إلى جانب اضطرابات ناتجة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي.وقال محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي إن ثمة حاجة إلى نقاش صريح، بالنظر إلى فشل المجتمع الدولي سابقاً في اكتشاف ووقف فقاعة الرهن العقاري التي أدت إلى الأزمة المالية العالمية بين 2007 و2009.وأكد أن الشفافية أمر حاسم في عالم غامض تتشابك فيه الصلات بين البنوك وشركات التأمين والتمويل الخاص، قائلاً: «من واجبنا أن نرفع الغطاء لنرى ما يجري، لقد شهدنا بالفعل بعض الأحداث التي تدفعنا لطرح السؤال: هل هي مجرد حوادث فردية، أم مؤشر مبكر على أزمة أوسع؟».
الأسواق العالمية تعتاد المخاطر
وأعربت غورغيفا عن قلقها بشأن «التقييمات المبالغ فيها»، بعد تحذير صندوق النقد الدولي يوم الثلاثاء من أن الأسواق أصبحت مرتاحة جداً تجاه المخاطر، بما في ذلك الحروب التجارية، والتوترات الجيوسياسية، والعجز الحكومي المتزايد، ما يزيد من خطر حدوث تصحيح «غير منظم» في الأسواق.وقالت إنها أنهت الأسبوع بقائمة طويلة من المهام، من بينها مراجعة طريقة الصندوق في مراقبة اقتصادات الدول وتقييم مستويات ديونها، فيما شددت أوكونجو-إيويلا على الحاجة الملحّة لإصلاح منظمة التجارة العالمية.وقالت: «نحن بحاجة إلى تنويع التجارة»، مشيرة إلى أن التجارة العالمية ساعدت العديد من الدول، رغم أن النتائج كانت غير متساوية، ما ترك بعض الدول خلف الركب.وأضافت: «نحن بحاجة إلى إصلاح الأجزاء التي لا تعمل، نحن بحاجة إلى إعادة تصور العولمة، لا يمكننا أن نعود إلى ما كان عليه الوضع في الماضي».
تصاعد مخاطر المناخ مع وصف ترامب القضية بالخدعة
واتفق المسؤولون على أن تغيّر المناخ ربما يمثل أكبر المخاطر جميعاً، رغم تصريحات ترامب الأخيرة في الأمم المتحدة التي وصف فيها القضية بأنها «خدعة».وقد برزت هذه المسألة خلال اجتماع لجنة التوجيه بصندوق النقد يوم الجمعة، إذ قال محافظ البنك المركزي في جنوب إفريقيا ليسيتخا كغانياغو إن المخاطر المناخية لا جدال في كونها قضية «ذات تأثير كلي مباشر»، ولها تبعات ضخمة على التأمين والأسس الاقتصادية والاستقرار المالي.وأضاف في مؤتمر مجموعة الثلاثين: «في المفاوضات التجارية يمكنك أن تنسحب وتجد شريكاً آخر، أما في المفاوضات المناخية، فإذا انسحبت، فإن الكوكب بأكمله يسخن ونتحمل جميعاً العواقب».(رويترز)
