4 مخاوف أوكرانية بشأن “قمة بودابست” بين ترامب وبوتين

مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن قمة مرتقبة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في العاصمة المجرية قريباً، فقد ثارت مخاوف في أوكرانيا لما تحمله بودابست من ذكريات مؤلمة بشأن اتفاقية جرى توقيعها هناك قبل أكثر من 30 عاماً، وصفها الرئيس الحالي فولوديمير زيلينسكي علناً بـ«ألفاظ نابية»، إضافة إلى أن القمة ستتحدى أوامر الجنائية الدولية وتمنح بوتين متنفساً دبلوماسياً جديداً، كما تضع صفقة توماهوك في مهب الريح.

«مذكرة بودابست»

ومع تركيز لقاء ترامب وبوتين المرتقب على إنهاء الحرب الأوكرانية خلال القمة المرتقبة، استحضر الأوكرانيون ذكرى توقيع «وثيقة بودابست» عام ١٩٩٤، حيث وقّعت أوكرانيا، حديثة الاستقلال آنذاك، مذكرةً وافقت بموجبها على إعادة الأسلحة النووية السوفيتية الموجودة على أراضيها إلى روسيا مقابل «ضمانات أمنية» من موسكو وواشنطن ولندن، حيث نصّت الاتفاقية على التزام الدول الثلاث «بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أوكرانيا أو استقلالها السياسي».

لكن بحسب محللين أوكرانيين، لم توضح المذكرة ما تعنيه هذه الضمانات على أرض الواقع، كما أنها لم تتضمن أي وعد بتقديم مساعدة عسكرية في حال وقوع هجوم، فيما يقول المسؤولون الأوكرانيون إن غياب الدعم الدولي منح روسيا حرية شن هجوم، كما فعلت منذ عام ٢٠١٤، بحسب نيويورك تايمز.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت «وثيقة بودابست» موضع انتقاد لا ينتهي في أوكرانيا، لدرجة أن زيلينسكي انتقد بشدة الاتفاقية ووصفها بألفاظ نابية خلال مقابلة أجراها في يناير/كانون الثاني مع المذيع الأمريكي ليكس فريدمان، معتبراً أن الموقعين عليها تجاهلوا أمن أوكرانيا.

ومنذ ذلك الحين، تشعر أوكرانيا بعدم الثقة في أي اتفاق لا يتضمن الضمانات الأمنية، وهو ما ظهر خلال الجهود الأخيرة لتحقيق السلام، وعندما أعلن حلفاء كييف الغربيون هذا الصيف أنهم سيعملون على ضمانات كجزء من تسوية محتملة لمنع روسيا من شنّ أي هجوم مجددًا، أصرّ المسؤولون الأوكرانيون على أن تكون هذه الضمانات قاطعة.

ومع الحديث عن جهود وقف الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، أكد يغور تشيرنيف، نائب رئيس لجنة الدفاع والاستخبارات في البرلمان الأوكراني: «من أجل تجنب مصير مذكرة بودابست، يجب أن تكون هذه الضمانات ملزمة قانونًا وأن توفر أيضًا خطوات محددة للإجراءات التي يتخذها الضامنون في حالة الهجوم المتكرر على أوكرانيا».

وحينها، أعربت روسيا عن رغبتها في المشاركة في التفاوض بشأن تلك الضمانات، وهو مطلب اعتبرته كييف إشارة أخرى إلى عدم اهتمام موسكو باتفاق سلام.

زيارة تتحدى الجنائية الدولية

وإلى جانب الذكرى الأليمة لمذكرة بودابست، فإن المجر تمتاز بعلاقات جيدة مع روسيا، ويخشى أوكرانيون كذلك أن تُقوّض قمة بودابست الجبهة الغربية الموحدة تجاه أوكرانيا، حيث سيخرج بوتين من عزلته الدبلوماسية داخل أوروبا، حيث سيزور إحدى عواصم القارة العجوز لأول مرة منذ اندلاع الحرب الراهنة.

كما تمنح الزيارة بوتين قوة إضافية نظراً لأنها تتحدى أمر المحكمة الجنائية الدولية باعتقاله بتهمة ارتكاب جرائم حرب، لكن المجر، التي بصدد الانسحاب من المحكمة، أكدت أن الزعيم الروسي لن يُعتقل على أراضيه. وسبق للمجر استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بودابست رغم صدور مذكرة اعتقال مماثلة بحقه.

وللتحليق إلى المجر، سيحتاج بوتين على الأرجح إلى الطيران فوق دول، مثل بولندا ورومانيا وأوكرانيا، وهي دول أطراف في «نظام روما الأساسي» المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، وهو ما أثار تساؤلات حول إمكانية تعرضه للاعتقال أثناء توجهه إلى بودابست.

لكن يقول المسؤول في وارسو فيليب بيدنارتشيك: «أعتقد أن الإجابة هي: سيُغادر ببساطة». وأضاف أنه في حين يمكن للدول المتحالفة مع المحكمة الجنائية الدولية اعتقال أي شخص صدرت بحقه مذكرة توقيف ويسافر عبر مجالها الجوي، فليس بالضرورة أن تُلزم بذلك، خاصةً إذا لم تكن متأكدة من الطائرة التي يستقلها. وأضاف «إن الأمر محفوف بالمخاطر، لكنه يترك الباب مفتوحا أمام بوتن للتحليق فوقنا».

وقال بيدنارتشيك إنه بدلا من ذلك، يمكن للولايات المتحدة أن تطلب من حليف مثل بولندا السماح بوتين بمسار طيرانه خدمة للدبلوماسية.

وعندما سُئل عما إذا كانت أوامر الاعتقال سوف تنطبق على قضية بوتين أو ما إذا كان هناك نوع من الإعفاء الدبلوماسي، قال مكتب الشؤون العامة للمحكمة الجنائية الدولية «إن الدول يجب أن تنفذ أوامر الاعتقال باعتبارها التزاماً قانونياً تجاه المحكمة»، دون إشارة إلى قضية الرئيس الروسي. وأضاف أنه «في حالة عدم التعاون، يجوز للمحكمة إصدار حكم» وتنبيه مجموعة الرقابة.

ـ صفقة توماهوك في مهب الريح

ويبدو أن التلويح بمنح صواريخ توماهوك لكييف قد حفّز الكرملين على التحرك، إذ أجرى بوتين اتصالاً هاتفياً بعد أسابيع من وصف أي بيع محتمل للصواريخ لأوكرانيا بأنه استفزاز. وبعد المكالمة أعرب ترامب عن تشككه في صفقة توماهوك مع أوكرانيا، قائلاً: «نحن بحاجة إلى صواريخ توماهوك للولايات المتحدة الأمريكية أيضاً».

وبعد المكالمة المطولة التي جرت، قبل يوم من لقاء زيلينسكي في البيت الأبيض، فإن خبراء شككوا في احتمال مضي الإدارة الأمريكية قدماً في منح كييف صواريخ توما هوك طويلة المدى، والتي يمكنها ضرب العمق الروسي، خاصة أن الكرملين أكد بعد المكالمة أن الرئيس الروسي شدد على ترامب بأن تنفيذ الصفقة قد يهدد مسار السلام بل والعلاقات الأمريكية الروسية.

وعلى طريقته، حاول ترامب استخدام الصواريخ طويلة المدى كورقة ضغط على روسيا لإنهاء الحرب، حيث ألمح أكثر من مرة إلى احتمال منحها لأوكرانيا ولكن دون تأكيد ذلك، لكنه بعث برسائل من بينها مثلاً قوله: «لدينا الكثير من صواريخ توماهوك».

وبفضل مداها الطويل ودقتها وتكلفتها المنخفضة مقارنة بالطائرات الحربية المأهولة، لطالما اعتبرت صواريخ توماهوك سلاحاً أساسياً في ترسانة البنتاغون. وأطلقت الولايات المتحدة أكثر من 2300 منها في المعارك على مدى أكثر من أربعة عقود. وتبلغ تكلفة النسخ الأحدث حوالي 2.5 مليون دولار للصاروخ.

ويتم تشغيل صاروخ كروز بواسطة محرك نفاث صغير وله أجنحة، مما يسمح له بالطيران مثل الطائرة التي توجه نفسها إلى الهدف، وبدأ تطوير صاروخ توماهوك في أوائل سبعينيات القرن العشرين. وبدء استخدامها مطلع تسعينيات القرن الماضي.

وتبلغ المسافة بين موسكو وكييف حوالي 800 كيلومتر، وهو ما يتجاوزه مدى توماهوك، كما أنها عندما تكون في وضع الطيران، فإنها يمكن أن تطير على ارتفاع منخفض عن الأرض، مما يجعل من الصعب اكتشافها بواسطة الرادار، فضلاً عن تحليقها بسرعة 550 ميلاً في الساعة، أو ما يقرب من 70 % من سرعة الصوت. وفي حال تسليمها ستكون هذه الأسلحة هي الأطول مدى التي تمنحها الولايات المتحدة لأوكرانيا حتى الآن.

ثماني مكالمات وشراء الوقت

وعلى الرغم من المكالمات الهاتفية الثمانية بين بوتين وترامب منذ تنصيبه لمناقشة إنهاء الصراع، فإن الهجوم الروسي على أوكرانيا لم يتراجع، مما دفع المنتقدين إلى القول إن هذه التحركات مجرد شراء الوقت للسماح باستمرار الحرب.

ويتمسك بوتين بمطالبه بأن تكون أوكرانيا منزوعة السلاح ومحايدة، فيما ترجح المصادر أنه يسعى لإقناع ترامب بأن روسيا لها اليد العليا في ساحة المعركة، في حين عبر الرئيس الأمريكي الشهر الماضي عن اعتقاده بقدرة أوكرانيا على الفوز في الحرب.

ويشير الوضع الراهن إلى أن كلا الجانبين متحصنان في مواقعهما، ولم يحقق أي منهما مكاسب نوعية كبيرة خلال العام الماضي، إذ قلب صعود حرب الطائرات المسيرة الاستراتيجية العسكرية التقليدية رأسًا على عقب.