يستعد لبنان لعرض خطة طال انتظارها لإعادة هيكلة الديون التي تخنق اقتصاده على مجلس الوزراء في غضون أسابيع، وفقاً لما نقلته «رويترز» عن مصدر مطلع.
ويرى بعض الاقتصاديين أن هذه الخطة قد لا تساعد في تأمين قرض بالغ الأهمية من صندوق النقد الدولي ما لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية جوهرية وشفافة.
وأدت عقود من الإنفاق الباذخ من النخبة الحاكمة في لبنان إلى تدهور الاقتصاد في أواخر عام 2019، إذ تم حرمان المودعين من صرف مدخراتهم مع إغلاق البنوك المثقلة بالديون.
عرقلة الإصلاحات
عرقلت المصالح السياسية والخاصة مراراً الإصلاحات المطلوبة للوصول إلى تمويل صندوق النقد الدولي لإنقاذ الحكومة من التخلف عن سداد الديون، إلى أن تعهد كل من الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام الجديدين هذا العام بإعطاء الأولوية لتلك الإصلاحات.
بحسب المصدر، تتضمن الخطة الجديدة سن قانون لتقاسم الخسائر المالية بين الدولة والمصرف المركزي والبنوك التجارية والمودعين، مشيراً إلى أنه يجري العمل على وضع اللمسات الأخيرة على التشريع وسيتم تقديمه إلى مجلس الوزراء لمراجعته في غضون أسابيع، ثم إلى البرلمان اللبناني لإجراء تعديلات محتملة.
آلية الاسترداد
بلغت التقديرات الأولية من الحكومة للخسائر الناجمة عن الانهيار المالي نحو 70 مليار دولار، وهو رقم من المتوقع أن يكون قد زاد على مدى السنوات الست التي تُركت فيها الأزمة دون معالجة.
وفاقمت الأضرار التي ألحقتها حرب العام الماضي بين إسرائيل وجماعة حزب الله اللبنانية المسلحة من المشكلة.
وقال المصدر، دون تقديم أرقام، إن الخطة تتوقع مزيجاً من عمليات الشطب واسترداد الأموال والسداد للمودعين.
أشار إلى أنه بموجب الخطة فسيتم سداد المدخرات على أقساط نقدية على مدى ثلاث إلى خمس سنوات بالنسبة لأولئك الذين كان لديهم أقل من 100 ألف دولار في بداية الأزمة عام 2019، وهو وضع نحو 85% من المودعين.
أضاف المصدر أن المودعين الذين كان لديهم أكثر من 100 ألف دولار سيستردون أموالهم في إطار زمني أطول.
وتشمل الخطة احتمالات استخدام «سندات مدعومة بأصول» في عملية السداد، وفقاً للمصدر الذي طرح فكرة الاعتماد على احتياطيات لبنان من الذهب والتي قال مصرف لبنان هذا الشهر إنها تقدر بنحو 30.28 مليار دولار.
لكن المصدر قال إن المسؤولين لا يزالون يناقشون عناصر رئيسة، بما في ذلك آليات استرداد العوائد المكتسبة على الودائع في السنوات التي سبقت الأزمة.
محاولات لدعم الودائع
وفي الفترة من عام 2016 إلى 2019، عرضت البنوك التجارية أسعار فائدة استثنائية في محاولة لدعم ودائعها في البنك المركزي، والتي كانت بدورها تستنزف بسرعة في الإنفاق العام. وتمكن بعض كبار المودعين من سحب أموالهم قبل أن ينهار النظام.
وقال المصدر إنه لم يتقرر بعد ما إذا كان صغار المودعين ستنطبق عليهم أيضاً عمليات الاسترداد.
وسيكون إقرار الخطة خطوة أساسية نحو تحديد قيمة استرداد السندات الحكومية اللبنانية المتعثرة في السداد، والتي زادت أسعارها إلى أربعة أمثال تقريباً خلال العام الماضي مع مراهنة المستثمرين على بوادر التعافي الاقتصادي.
اعتصام نظمته جمعية المودعين أمام مصرف لبنان في بيروت، 25 يناير 2023. المصدر: (أ ف ب)
السلبيات المحتملة
من جانبه، قال نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط والباحث في الاقتصادات السياسية الإقليمية تيموثي قلدس، إن الاعتماد على احتياطي الذهب يتعارض مع متطلبات صندوق النقد الدولي للحد من اللجوء إلى الموارد العامة.
وأضاف لرويترز أن قانون «خطة الفجوة المالية» من شأنه أيضاً أن يحمي البنوك اللبنانية من المساءلة المالية عن دورها في الأزمة المالية المدمرة في لبنان ويقوض قدرة الحكومة على تمويل إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
وأوضح قلدس أن الضرر الإضافي الناجم عن مثل هذا القانون سيستمر في لبنان لأجيال.
ويشعر مراقبون آخرون بالقلق من أن استرداد الأموال من صغار المودعين سيشكل انتهاكاً للمعايير الدولية بشأن التسلسل الهرمي للمطالبات وتعهدات لبنان نفسه بحماية الفئات الأكثر ضعفاً.
توترات سياسية
ولا يزال التوتر السياسي ينهك البلاد، إذ تواصل إسرائيل قصف جنوب البلاد، وترفض جماعة حزب الله نزع سلاحها تماشياً مع قرارات مجلس الوزراء اللبناني، ويمكن أن تجعل الانتخابات البرلمانية المقبلة في مايو المشرعين غير راغبين في إقرار إصلاحات لا تحظى بشعبية.
وحقق لبنان حتى الآن تقدماً متبايناً في الإصلاحات التي طلبها صندوق النقد الدولي. فقد احتاج البرلمان إلى ثلاث محاولات لتمرير قانون رفع السرية المصرفية الذي يفي بالمعايير الدولية.
وأقر قانوناً لإعادة هيكلة المصارف في يوليو، لكن صندوق النقد الدولي شارك الحكومة اللبنانية مخاوفه من أن القانون انحرف عن أفضل الممارسات الدولية ولم يتضمن مساحات كافية لمنع تضارب المصالح.
