بعد توقف دام أكثر من عامين، يعود نفط إقليم كردستان ليتدفق عبر خط جيهان التركي، فاتحاً الباب أمام تعزيز موارد العراق المالية وزيادة حصته في السوق النفطي العالمي بنحو 230 ألف برميل يومياً.
وتلك التدفقات النفطية، تعد دفعة للاقتصاد وإيراداته، بحسب خبراء في النفط والاقتصاد، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، محذّرين من تحديات قد تجعل الاتفاق «مؤقتاً» مستقبلاً في ظل عدم اكتماله فنياً أو إنهاء قضايا شائكة مرتبطة كالديون، أوعدم تجاوز ملاحظات منظمة «أوبك» بخصوص كميات الإنتاج.
تدفق جديد
وأفاد مصدران في قطاع النفط لـ«رويترز» في 29 سبتمبر 2025، بأن تدفقات النفط من إقليم كردستان العراق إلى ميناء جيهان التركي تتراوح بين 150 -160 ألف برميل يومياً بعد أن استؤنفت في 27 من الشهر ذاته، وذلك للمرة الأولى منذ عامين ونصف العام، حيث توصلت 8 شركات نفط عاملة في كردستان العراق إلى اتفاقات مع بغداد وحكومة إقليم كردستان، تمنح الحكومة الاتحادية السيطرة على صادرات الإقليم، بينما توفر لأربيل متنفساً مالياً.
ووفقاً للاتفاق، ستُسلم حكومة إقليم كردستان النفط الخام إلى شركة تسويق النفط الوطنية العراقية «سومو»، وستتولّى شركة تجارية مستقلة المبيعات من ميناء جيهان باستخدام الأسعار الرسمية لشركة سومو. وسيحصل المنتجون على 16 دولاراً عن كل برميل يتم تسليمه وبيعه عبر آلية سومو.
وجاء الاتفاق عقب ضغوط من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على بغداد لاستئناف صادرات نفط إقليم كردستان، ملوّحة بفرض عقوبات، في مسعى إلى تعويض النقص المتوقع جراء مساعيها لوقف الصادرات الإيرانية ضمن سياسة
الضغوط القصوى، وفق رويترز.
أصل الأزمة
وترجع أزمة خط الأنابيب إلى مارس 2023 حينما أوقفت تركيا ضخ النفط عقب حكم صادر عن محكمة تحكيم ألزمها بدفع 1.5 مليار دولار تعويضاً للعراق. ومنذ ذلك الحين، تعثرت محاولات استئناف التصدير بسبب خلافات مالية وقانونية بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، فضلاً عن شركات النفط المعنية، مما كبد البلاد خسائر تجاوزت 22 مليار دولار من الإيرادات، بحسب «بلومبرغ».
ووافقت 8 شركات دولية، تشكل مجتمعة أكثر من 90% من إنتاج إقليم كردستان، في وقت سابق على اتفاق التصدير. في المقابل، تحفظت شركة «دي إن أو» النرويجية (DNO ASA)، مطالبةً بـ«اتفاقيات تضمن السداد عن المتأخرات السابقة والصادرات المستقبلية».
وأوضحت الشركة في بيان، مطلع الأسبوع، أنها ستسلم حصة الحكومة من إنتاج حقولها للدولة بغرض التصدير، بينما ستواصل بيع حصتها الخاصة للمشترين المحليين الأكراد «بسعر يقارب 30 دولاراً» وأضافت «دي إن أو» في بيان صادر بتاريخ 26 سبتمبر أن الشركات الأخرى المشاركة في الاتفاق ستحصل على سعر يبلغ 14 دولاراً للبرميل بعد خصم تكاليف النقل.
كما أشارت الشركة إلى أن تعويضات التصدير «سيُعاد النظر فيها عام 2026 بناءً على تقييم النماذج التجارية والعقود من قبل مستشار تعيّنه بغداد».
مبنى وزارة النفط العراقية في العاصمة بغداد في 11 يونيو 2023. المصدر: الموقع الإلكتروني لوزارة النفط العراقية على الإنترنت
خطوة مهمة
ويرى عاصم جهاد، المتحدث السابق لوزارة النفط العراقية، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «عودة الضخ بعد الاتفاق خطوه مهمة بالاتجاه الصحيح لوضع حد للخلافات بين الحكومة الاتحادية والإقليم بخصوص الملف النفطي».
وأشار جهاد إلى أن «الاتفاق بين بغداد وأربيل قد يمنح دفعة مؤقتة للاقتصاد من خلال زيادة الإيرادات وتمويل الرواتب والخدمات، وتعزيز الثقة الاستثمارية، لكنها لن تكون مستدامة ما لم تُعالج القضايا الاقتصادية والقانونية والسياسية السابقة، بما فيها كلفة الإنتاج العالية، عقود الشركات الأجنبية، والديون المتراكمة».
ويرى أن «الاتفاق الحالي يمثل حلًا جزئيًا أكثر من كونه فنياً شاملاً، لأنه قد يواجه عقبات مالية وقانونية واستثمارية، وأن مستقبله يعتمد على قدرة بغداد وأربيل على معالجة هذه القضايا بشكل شامل ومستدام لضمان استقرار القطاع النفطي ودعم الاقتصاد الوطني».
وبنظرة إيجابية للاتفاق، قال أستاذ الاقتصاد الدولي عامر الشوبكي، في حديث لـ«إرم بزنس»، إن عودة صادرات نفط كردستان «خطوة استراتيجية ستؤثر، بشكل كبير، على العراق، سواء في تنويع منافذ التصدير أو استقطاب الاستثمارات، خاصة والثروة النفطية في شمال العراق كبيرة، وتمتلك فرصاً لزيادة الإنتاج والتصدير».
ويرى الخبير المالي في معهد الإصلاح الاقتصادي ببغداد، علاء الفهد، أيضاً في حديث لـ«إرم بزنس»، أن بدء تصدير النفط عبر كردستان، سيوفر في المرحلة الأولى 190 ألف برميل وصول إلى 230 ألف برميل وهذا يمثل رافداً مالياً جديداً ومصدر تمويل مهم لاقتصاد البلاد ودفعة له.
وأكد رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، في تدوينة، الخميس، على منصة «إكس»: أن «الاتفاق التاريخي يضمن التوزيع العادل للثروة، وتنويع منافذ التصدير، وتشجيع الاستثمار، وهو إنجاز انتظرناه 18 عاماً».
تحديات
وأمام تلك الإيجابيات المحتملة، نبه الشوبكي في حديث لـ«إرم بزنس» أن العراق يواجه تحديًا مع منظمة أوبك، إذ لا يزال مطالباً بتعويض الكميات التي صدّرها، سابقاً، فوق حصته المحددة، وهو ما يجعل فرص قبول مطالبه بزيادة الإنتاج محدودة، موضحاً أن استمرار الاعتماد الكبير للعراق على عائدات النفط يجعله يسعى إلى تعظيم موارده، غير أن المرحلة المقبلة قد تشهد مواجهة جديدة مع أوبك بشأن حصص الإنتاج.
وأعلن وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، السبت، أن استئناف الضخ سيضيف مبدئياً ما يصل إلى 190 ألف برميل يومياً إلى الإمدادات العالمية، التي وفقاً لـ«بلومبرغ»، يرجح أن تشهد فائضاً كبيراً، مع توقع أن تتجه سوق النفط العالمية نحو تخمة في المعروض، حيث تتنبأ وكالة الطاقة الدولية بفائض قياسي، خلال العام المقبل، مع استمرار تحالف «أوبك+» في رفع الإنتاج.
ويعد العراق ثاني أكبر منتج في منظمة «أوبك»، إذ بلغ متوسط إنتاجه هذا العام نحو 4.2 مليون برميل يومياً، واتفقت المنظمة وفقا لبيان في سبتمبر على المضي قدماً في إعادة الإمدادات التي كانت معلقة، مما يمنح بعض الأعضاء فرصة لزيادة صادراتها، مما يمكن العراق من ضخ 4.237 مليون برميل يومياً في أكتوبر.
وأمام تدفق نفط كردستان، عقبات وتحديات قد تجعله يتعطل مجدداً، كما يرى عاصم جهاد، في حديث لـ«إرم بزنس» موضحاً أنه «كان يفترض بالحكومة الاتحادية أن تُبرم اتفاقها مع الجهة الرسمية في الإقليم وهي وزارة الثروات الطبيعية، حيث إنها الطرف الدستوري المفترض في إدارة الثروات ضمن العلاقة بين المركز والإقليم، وعدم منح الشركات الأجنبية أية التزامات مالية أو قانونية وغير ذلك لأن وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم هي من أبرمت العقود مع هذه الشركات، وليس وزارة النفط».
ويرى أن «تجاهل البيان الحكومي لمسألة الديون المتراكمة على الإقليم يعكس الطبيعة المؤقتة للاتفاق، ويترك الباب مفتوحًا أمام نزاعات مستقبلية، سواء داخلية بين بغداد وأربيل، أو خارجية مع الشركات الأجنبية».
ونبّه إلى أن «الخلاف الجوهري بين عقود المشاركة بالإنتاج في الإقليم وعقود الخدمة في المركز لم يُحل، وإنما جرى تجاوزه مؤقتًا، كذلك فإن استمرار اعتراض أو تحفظ شركات مثل DNO وGenel يؤكد أن الاتفاق لم يُبنَ على قاعدة فنية متينة تراعي مصالح الأطراف المعنية».
وقد يواجه الاتفاق بين بغداد وأربيل مستقبلاً «مشاكل أو تعقيدات مع أي تغيّر سياسي عبر انتخابات، أو تشكيل حكومة جديدة أو، تبدل تحالفات وقد يؤدي إلى إعادة فتح الملف من جديد»، وفق تقديرات جهاد.
ويرى الخبير الاقتصادي علاء الفهد أن الاتفاق قد يواجه تحديات أغلبها سياسية وسيتأثر حال أي أزمة بين بغداد وأربيل، قياساً على ما سبق من خلافات، مشدداً على أن أربيل مجبرة أن تمضي في الاتفاق وإلا ستطالب بديون والتزامات للشركات، داعياً لاستشكاف مستقبل الاتفاق مع المراجعات الدورية المقررة له لبحث الكميات ومدى الالتزام.
ووفقاً لبيانات حديثة، بلغت حصة إيرادات العراق النفطية خلال النصف الأول من العام الجاري نحو 92% من إجمالي إيرادات البلاد، البالغ نحو 62 تريليون دينار (47.33 مليار دولار)، بما يتجاوز نحو 57 تريليون دينار (43.51 مليار دولار)، فيما استحوذت الإيرادات غير النفطية في العراق على حصة 8% فقط من إجمالي إيرادات الموازنة العامة للبلاد، إذ بلغت نحو 4.59 تريليون دينار (3.5 مليار دولار).
ويتوقع العراق تحقيق إيرادات نفطية بنحو 631 تريليون دينار (482 مليار دولار) خلال خطة لخمس سنوات تمتد من 2024 إلى 2028، ليظل قطاع النفط يشكل النسبة الأكبر في ميزانية البلاد.
