تشهد سوق الدين المصرية طفرة في إقبال المستثمرين الأجانب، مدعومة بارتفاع العوائد واستقرار سعر الصرف، ما يجعل أدوات الدين المحلية وجهة جاذبة لصفقات «تجارة الفائدة» (Carry Trade).
وأظهرت أحدث بيانات «البنك المركزي المصري» أن استثمارات الأجانب في أذون الخزانة ارتفعت إلى 1.9 تريليون جنيه، أي بنحو 40 مليار دولار، في مايو، وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2020 على الأقل، لتستحوذ على 42% من إجمالي الأذون، مقارنة بـ157 مليار جنيه، أي 3.2 مليار دولار، أو ما يعادل 10% فقط في منتصف 2022.
استقرار العملة وسياسات جديدة
وفقاً لتقرير نشره موقع AGBI، يعود هذا النشاط إلى مزيج من التغيرات الاقتصادية والسياسية. وقال مدير الاستراتيجية في شركة «تيلمير» (Tellimer) بدبي، حسنين مالك: «إعادة بناء الاحتياطيات الأجنبية، وتباطؤ التضخم، واعتماد مرونة أكبر في سعر الصرف، إلى جانب التوقعات بتراجع الفائدة الأميركية وضعف الدولار، كلها عوامل عززت جاذبية مصر لتجارة الفائدة».
وتقوم هذه الآلية على الاقتراض بعملات منخفضة الفائدة وتحويلها إلى الجنيه للاستثمار في أدوات الدين قصيرة الأجل ذات العائد المرتفع. ولا يزال الفارق في أسعار الفائدة بين مصر والأسواق المتقدمة واسعاً، إذ قفز سعر الفائدة من 9.25% مطلع 2022 إلى ذروة 27.25% في مارس 2024، قبل أن يخفضه المركزي تدريجياً إلى 22% في أغسطس.
عودة المستثمرين بعد الأزمات
صرح خبير استراتيجيات الأسواق الناشئة في «يو بي إس إنفستمنت بنك» (UBS Investment Bank) بلندن، نمرود ميفوراخ، إن التدفقات الأجنبية جاءت بالأساس من مؤسسات وصناديق أوروبية وأميركية، مع مشاركة عربية ملحوظة في السوق الثانوية.
وكانت الحيازات قد تراجعت بفعل جائحة كوفيد-19 والحرب الأوكرانية، لكنها انتعشت بعد تعهد أبوظبي بضخ 35 مليار دولار في مشروع تطوير «منتجع رأس الحكمة»، إضافة إلى خفض قيمة الجنيه مطلع 2024.
وفي مزاد سبتمبر، باعت الحكومة أذون خزانة بعائد 26.98% لأجل 91 يوماً، و26.15% لأجل 273 يوماً، وسط إقبال قوي من المستثمرين على الأذون الأقصر أجلاً، حيث تجاوزت طلباتهم 114.4 مليار جنيه، أي نحو 2.4 مليار دولار.
ورغم توقعات السوق الآجلة بتراجع الجنيه بنحو 14% خلال العام المقبل، فإن العوائد الضمنية، التي تقارب 12%، ما زالت جذابة. وقال ميفوراخ: «تكاليف التحوط والضرائب قادرة على استنزاف معظم هذه العوائد، لذلك يراهن المستثمرون على استقرار نسبي للعملة حتى يتمكنوا من تحقيق مكاسب مجزية».
المقر الرئيس للبنك المركزي المصري في العاصمة الإدارية الجديدة شرقي القاهرة، يوم 1 أغسطس 2023. المصدر: (أ ف ب)
التضخم وأسعار الصرف
سجل الجنيه 48 مقابل الدولار بنهاية سبتمبر مرتفعاً بنحو 6% منذ بداية العام، فيما هبط التضخم السنوي إلى 12% في أغسطس، وهو أدنى مستوى في 42 شهراً بعد ذروة بلغت 38% في سبتمبر 2023.
وقال رئيس وحدة تحليل الاقتصاد الكلي في بنك الاستثمار «إي إف جي هيرميس» (EFG Hermes) بالقاهرة، محمد أبو باشا، إن خفض أسعار الفائدة لم يقلل كثيراً من جاذبية الأذون. وأضاف: «العوائد لا تزال مرتفعة بالقيمة الحقيقية، ومع تباطؤ التضخم تبقى مصر أكثر إغراءً مقارنة بالأسواق التي خفضت الفائدة مؤخراً».
تأثير الفيدرالي الأميركي
خفض الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الفائدة في سبتمبر، وسط توقعات بمزيد من التخفيضات قبل نهاية العام، ما ضغط على العوائد عالمياً. وأوضح أبو باشا أن ذلك يمنح مصر هامشاً لتخفيض الفائدة «من دون المساس بجاذبية تجارة الفائدة».
لكن ميفوراخ حذّر من أن المزيد من التخفيضات قد يغير المعادلة: «إذا انخفضت الفائدة إلى 10% ستختلف الحسابات جذرياً، أما النزول دون 20% فسيعتمد تأثيره على الظروف العالمية».
مكاسب ومخاطر لمصر
توفر تجارة الفائدة لمصر مصدراً مهماً للسيولة بالعملة الأجنبية لسد فجوات التمويل قصيرة الأجل ودعم العملة. وأكد أبو باشا إن التدفقات الأجنبية «تساهم في خفض تكاليف خدمة الدين عبر زيادة المنافسة على أدوات الخزانة».
ومع ذلك، لا تخلو الصورة من مخاطر. فقد نبه ميفوراخ إلى ضرورة أن تراهن السلطات المصرية على استقرار أسعار الغذاء المستورد، وتحسّن إيرادات قناة السويس، واستمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، حتى لا يصبح تراكم الاحتياطيات معتمداً بشكل مفرط على رؤوس الأموال الأجنبية قصيرة الأجل.
كما لفت إلى أن الحكومة قد تتجه تدريجياً نحو الاعتماد على أدوات دين أطول أجلاً، مرجّحاً أن تصبح السندات متوسطة وطويلة الأجل ذات العوائد الأقل مكوّناً أكبر في محفظة الدين العام.
