منفذ حديث إلى بحر العرب.. هل يتيح أنبوب «البصرة–الدقم» تجاوز سيطرة مضيق «هرمز»؟

اتفق العراق وسلطنة عُمان مطلع عام 2025 على المضي في مشروع إستراتيجي لإنشاء خط أنابيب يربط حقول البصرة العملاقة بميناء الدقم العُماني المطل على بحر العرب.

الاتفاق، الذي تشارك فيه شركة تسويق النفط العراقية «سومو» (SOMO) بالتعاون مع شركة أوكيو (OQ) العُمانية، يتضمن بناء منشآت تخزين واسعة في الدقم تتيح مرونة في إدارة الصادرات واستغلال تقلبات السوق.

ويرى خبراء أن مشروع خط الأنابيب العراق–عُمان لا يُعد مجرد إضافة بنية تحتية، بل يمثل تحوّلاً في معادلة طرق النفط الإقليمية، إذ يمنح العراق منفذاً مباشراً إلى بحر العرب، ويعزز مكانة عُمان كمركز لوجستي–طاقي صاعد، وفق تقرير تحليلي نشرته منصة «ديسكوفري أليرت» (DiscoveryAlert) المتخصصة في رصد الفرص الاستثمارية في قطاع الطاقة والموارد.

المواصفات الفنية

تتراوح الطاقة المبدئية للخط بين مليون و1.5 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل ثلث إنتاج العراق الحالي تقريباً. كما يتضمن المشروع منشآت تخزين إستراتيجية تسمح للعراق بعرض نفطه في الأسواق وفق توقيتات أكثر ملاءمة للأسعار.

وتشير تقديرات الاستثمار الأولية إلى كلفة تتراوح بين 5 و10 مليارات دولار، مع فترة إنجاز متوقعة بين 3 و5 سنوات من بدء التنفيذ، ما يعني تشغيلاً فعلياً محتملاً في الفترة 2028–2030.

إلى جانب ذلك، يتيح المشروع للعراق فرصة إقامة مخزون إستراتيجي في عُمان، ما يمنحه قدرة أكبر على المناورة في السوق العالمية، في حين تستفيد مسقط من تحويل الدقم إلى محطة إقليمية.

لماذا يسعى العراق إلى هذا المشروع؟

أهمية المشروع بالنسبة للعراق تنبع من هشاشة بنيته التصديرية الحالية. فالبلاد تعتمد على النفط لتأمين نحو 90% من إيراداتها العامة، وتضخ يومياً ما يقارب 4.5 مليون برميل يُصدر معظمها عبر الموانئ الجنوبية على الخليج. غير أن هذا الاعتماد المفرط على منفذ واحد يعرّض الاقتصاد العراقي لمخاطر جسيمة عند أي توتر يطال «مضيق هرمز» الذي يعبر منه ما يقارب 21 مليون برميل يومياً من النفط العالمي.

البدائل الأخرى أمام بغداد محدودة؛ فخط كركوك–جيهان عبر تركيا متوقف منذ عام 2023 بسبب نزاعات سياسية وقضائية. ورغم التوصل إلى اتفاق مؤقت في سبتمبر 2025 لاستئناف التصدير عبره، إلا أن هذا المنفذ يبقى عرضة للتجاذبات السياسية والقانونية، ما يجعله غير مضمون على المدى الطويل، بينما يواجه مشروع خط البصرة–العقبة عبر الأردن معارضة داخلية وتعقيدات تمويلية. وفي ظل هذه التحديات، يبرز التعاون مع عُمان كخيار إستراتيجي يمنح العراق متنفساً جديداً ويعزز صورته كمورد موثوق عالمياً.

خيارات المسارات والإنشاءات

المسارات المقترحة لمد الأنبوب لا تزال قيد الدراسة، إذ يبرز خيار بري يمر عبر الكويت والسعودية وصولاً إلى عُمان، وهو خيار أكثر وضوحاً من الناحية التقنية لكنه يتطلب مفاوضات سياسية معقدة حول حقوق العبور والترتيبات الأمنية والرسوم المترتبة.

في المقابل، يبقى خيار مد أنبوب بحري وصولاً إلى السواحل العُمانية مطروحاً، وهو مسار يوفر استقلالية أكبر للعراق ويجنب الدخول في تعقيدات دبلوماسية، لكنه يفرض تحديات هندسية ضخمة وتكاليف عالية، شبيهة بتجارب سابقة مثل مشروع خط الغاز إيران–عُمان الذي استلزم العمل على أعماق تجاوزت 1300 متر.

تحديات التنفيذ

يمثل تأمين التمويل أحد أبرز التحديات أمام المشروع، إذ يحتاج العراق، الذي يعاني من ضغوط مالية، إلى شراكات دولية وضمانات طويلة الأمد لجذب المستثمرين.

كما ستلعب الاعتبارات البيئية والهندسية دوراً حاسماً في تحديد الجدول الزمني، لا سيما في حال اختيار المسار البحري الذي يتطلب دراسات دقيقة لحماية النظم البيئية البحرية وضمان استقرار قاع البحر ضد التآكل أو أي تسرب محتمل.

خط الأنابيب العراقي التركي بمحافظة دهوك بإقليم كردستان العراق المصدر: رويترز

الفوائد الاقتصادية

بالنسبة لبغداد، فإن العوائد المتوقعة من المشروع تتجاوز الجانب المالي المباشر، فوجود منفذ إضافي للتصدير يعزز مناعة الاقتصاد ضد الاضطرابات الجيوسياسية ويمنح العراق قدرة أكبر على الالتزام بحصص الإنتاج في منظمة «أوبك» (OPEC)، ما قد ينعكس إيجاباً على نفوذه داخل المنظمة.

كما أن مرونة التخزين والتسويق التي سيوفرها المشروع قد تساعده في الحصول على شروط أفضل في عقود البيع الآجلة وتحسين تصنيفه الائتماني المتدني حالياً.

أما عُمان، فتسعى من خلال المشروع إلى ترسيخ موقع «ميناء الدقم» كمحور رئيسي في تجارة الطاقة العالمية، بعد أن استثمرت أكثر من 20 مليار دولار في تطوير المنطقة الاقتصادية الخاصة هناك. كما أن استقبال نفط البصرة سيحوّل الدقم إلى حلقة وصل إقليمية، ويفتح الباب أمام استثمارات إضافية في التخزين والتكرير والبتروكيماويات، فضلاً عن إيجاد آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.

ويأتي ذلك كله في إطار رؤية عُمان 2040 التي تراهن على تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على مواردها النفطية المحدودة والمتراجعة تدريجياً.

الأبعاد الجيوسياسية والإقليمية

من زاوية إقليمية أوسع، نجاح المشروع يساهم أيضاً في استقرار الإمدادات النفطية، وهو ما يصب في مصلحة جميع أعضاء «أوبك».

أما بالنسبة للصين والهند، وهما أكبر مستوردين للنفط العراقي، فإن المشروع يعزز أمن إمداداتهما ويمنحهما مرونة أكبر في مواجهة أي اضطرابات بحرية أو سياسية في الخليج، وفق التقرير.

التأثير على أسواق النفط العالمية

على الصعيد الدولي، يتقاطع المشروع مع التحولات الجارية في أسواق الطاقة. فرغم التوجه العالمي نحو خفض الانبعاثات وزيادة حصة الطاقات المتجددة، تشير التوقعات إلى أن النفط سيبقى يشكل ما بين 25 و30% من مزيج الطاقة العالمي حتى عام 2050. وهذا يعني أن الاستثمارات في بنية تحتية جديدة لا تزال ذات جدوى لعقود مقبلة.

وبالنسبة للعراق، يعد المشروع استثماراً في السيادة الاقتصادية وقدرته على الصمود أمام الأزمات، وبالنسبة لعُمان فهو استثمار في موقعها الجغرافي وفي مستقبلها الاقتصادي ما بعد النفط.

دلالات إستراتيجية

في المحصلة، يمثل مشروع خط الأنابيب العراق–عُمان أكثر من مجرد بنية تحتية للطاقة؛ إنه استثمار في أمن العراق الاقتصادي ورؤية عُمان التنموية، وإعادة رسم لمسارات النفط العالمية بعيداً عن النقاط الساخنة التقليدية.

ورغم العقبات المالية والهندسية والدبلوماسية التي قد تعترضه، فإن نجاحه سيمنح العراق متنفساً جديداً يعزز مكانته كمورد موثوق، ويمنح عُمان دوراً محورياً في إدارة تدفقات الطاقة نحو الأسواق الآسيوية المتعطشة للنفط. وبذلك، يساهم المشروع في صياغة منظومة إقليمية أكثر مرونة واستقراراً في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية من حيث أمن الطاقة.