في رهان استراتيجي على تفوق المسار البحري على الشحن البري التقليدي، أطلقت «موانئ دبي العالمية» خدمة «أطلس» البحرية للحاويات المبردة (Reefer)، مطلع سبتمبر، ضمن خطط الشركة لتعزيز خريطة لوجستيات المنتجات الطازجة بين المغرب وشمال أوروبا.
هذا الإطلاق وبحسب مستشار البنك الدولي السابق عمرو صالح، يأتي في سياق التحول العالمي نحو النقل البحري المستدام للمنتجات القابلة للتلف، حيث تعتمد الخدمة على تقنيات تبريد متقدمة لضمان جودة الشحنات، وتصل بذلك نحو 150 ألف طن من المنتجات الطازجة من الطرق البرية إلى الخدمات البحرية سنوياً.
الوعد الأساسي الذي تقدمه خدمة «أطلس» هو تقليص زمن الشحن بنحو يومين مقارنة بالمسار البري، وهو ما يمثل عاملاً حاسماً في تجارة المنتجات سريعة التلف.
الخدمة التي جاءت لربط موانئ أغادير والدار البيضاء في المغرب بموانئ «لندن غيتواي» (London Gateway) في بريطانيا و «أنتويرب غيتواي» (Antwerp Gateway) في بلجيكا، ستُقدم أيضاً حلاً لوجستياً مستدامًا، حيث ستُقلل الانبعاثات الكربونية بنسبة 70% مقارنةً بالنقل التقليدي من خلال الشاحنات، حسب ما نقلته وكالة الأنباء الإماراتية «وام».
ويقول راشد عبدالله، المدير التنفيذي والمدير العام لـ«دي بي ورلد – أوروبا»: إن «أطلس» تم تصميمه خصيصاً لخدمة عمليات النقل من المملكة المغربية إلى المملكة المتحدة والقارة الأوروبية. ومن المقرر أن يتم تدشين الخدمة رسمياً في 18 من سبتمبر الجاري بأكادير، وبدء التشغيل الفعلي في نوفمبر 2025 باستخدام سفينتين مخصصتين.
لماذا هذا مهم
شهدت الأسواق الأوروبية، خاصة البريطانية، صدمات مناخية في عامي (2023-2024) أدت بدورها إلى زيادة الاعتماد على المغرب كمورد رئيس للخضروات والفواكه. وأصبح المغرب أحد أبرز مصدري الطماطم إلى المملكة المتحدة، حيث بلغ حجم الصادرات نحو 122720 طناً في 2024، ما يمثل حوالي 30% من إجمالي واردات الطماطم البريطانية، مع تركيز 68% على أصناف الطماطم الصغيرة (Snack Tomatoes).
ويرى صالح، أنه إذا نجحت خدمة «أطلس» في تسريع الوصول وتحسين التحكم الحراري، فإنها ستقلل من الهدر الذي يصل أحياناً ما بين 20 و 30% في المنتجات الطازجة بسبب التأخيرات، مما يسهم في استقرار الأسعار وتقليل التخفيضات السعرية عند التسليم. كما أن هذا يعزز القدرة التنافسية للمصدرين المغاربة في سوق يعاني من تقلبات الإمدادات بسبب التغيرات المناخية.
المعيار الواجب التفوق عليه
تستغرق الرحلات البرية المقترنة بالعبّارات بين المغرب والمملكة المتحدة عادة (7-9) أيام، مع تعرضها لعوائق مثل احتكاكات القناة الإنجليزية وتأثيرات بريكست على الحدود. تقدم «أطلس» زمناً أقصر بنحو يومين في اتجاه المغرب إلى المملكة المتحدة، مما يجعلها منافسة للخدمات البحرية الأخرى.
على سبيل المثال، أطلقت شركة «سامسكيب» خدمة مبردة مشابهة في أغسطس الماضي، لتربط أكادير والدار البيضاء ببريطانيا وهولندا، مع زمن يقارب 6 أيام إلى أيرلندا، مما يؤكد التحول الواسع من الشاحنات إلى السفن للمنتجات المغربية القابلة للتلف. ليعكس هذا التحول حاجة السوق إلى حلول أسرع وأكثر كفاءة، خاصة مع ارتفاع تكاليف الوقود واللوائح البيئية.
الانبعاثات والتكلفة
يتوافق خفض الانبعاثات بنسبة 70% مع بيانات رسمية تشير إلى أن النقل البحري يُصدر من 10 إلى 40 غراماً من ثاني أكسيد الكربون لكل طن-كيلومتر، مقارنة بـ 100 إلى 150 غراماً للعبّارات وللنقل البري الطويل المسافة.
وفي حال نجحت الخدمة في تقليل الاعتماد على الشاحنات، فإن تكاليف التسليم قد تنخفض بنسبة تتراوح بين 15 و 20% في المواسم الذروة، مع الحفاظ على تأثير النقل البري في الميل الأخير داخل المملكة المتحدة ورسوم الموانئ كعناصر رئيسة في المعادلة. ليتماشى ذلك مع أهداف الاتحاد الأوروبي بخفض نسبة الانبعاثات إلى 55% بحلول 2030.
حجم السوق والإمداد
يُصدّر المغرب أكثر من 6.5 مليون طن متري من الفاكهة والخضراوات سنوياً إلى أوروبا الغربية، مع نموّ حجم الصادرات بنسبة تزيد عن 20% سنوياً.
هذه الأرقام تبرز أهمية وجود جسر بحري سريع وموثوق للسوق، يدعم نمو الصادرات المغربية التي بلغت 621 ألف طن من الطماطم عالمياً في 2024 على سبيل المثال ويحمي جودة المنتجات الأخرى وفاعلية التوريد.
وجاء تصريح ماركوس روداتز، الرئيس التنفيذي للعمليات في قسم الشحن في أوروبا لدى مجموعة موانئ دبي العالمية: بأننا «نلتزم ببناء سلاسل توريد أكثر ذكاءً واستدامةً ومرونة»، تأكيداً على «أن خدمة «أطلس» تمنح المزارعين وتجار التجزئة الثقة بأن منتجاتهم ستصل طازجة وبشكل سريع، من خلال الاستثمار في الربط التجاري وتعزيز الانسيابية». إذ تُسرّع الاتفاقيات التجارية والسياسات الداعمة هذا الزخم، مما يجعل الخدمة البحرية بديلاً آنياً وفعّالًا لعمليات النقل البري.
آلية التنفيذ والخدمات التقنية لدعم الأداء
استثمرت مجموعة موانئ دبي العالمية في أسطول جديد يضم 1250 حاوية مبردة حديثة مع نظام تتبع حراري رقمي متقدم، تعمل «أطلس» على استخدامه، بهدف تقليل نسبة التقلبات الحرارية التي تؤدي لهدر السلع وضعف الجودة. بحسب راشد عبدالله، المدير التنفيذي والمدير العام لـوحدة موانئ دبي في أوروبا، الذي أضاف، أن أسطولاً آخراً من 1000 حاوية جافة (النوع الأكثر شيوعاً من الحاويات المستخدمة في جميع أنحاء العالم) عالية الارتفاع (4 أقدام مكعبة) و750 حاوية جافة (20 قدماً)، سيلبي الطلب المتزايد على تدفقات البضائع العامة بين شمال أوروبا والمملكة المتحدة والمغرب.
بدورها، ستوفر المجموعة سفينتين مخصصتين لهذه الخدمة، مع استخدام منصة رقمية «كارجوس» «CARGOES» المتطورة للرقابة اللحظية على سلاسل الإمداد، مما يعزز من موثوقية الخدمة وتقليل مخاطر التأخير.
التحديات والفرص
عمرو صالح، مستشار البنك الدولي السابق، يقول إن الـ90 يوماً القادمة بعد التدشين هي الأهم للمراقبة وتقييم التحديات والفرص، فالالتزام بمراقبة جدول الإبحار والدقة التشغيلية في ظل تخصيص سفينتين فقط خلال ذروة الموسم، مهم جداً والتحليل المقارن لزمن نقل الطماطم والفواكه الطازجة مقارنة بالنقل البري خلال فصل الشتاء، أيضاً عامل مهم، بجانب دراسة التأثير الفعلي لتكاليف الوقود البنكر وبنود الأسعار وتأثير نسبة الانبعاثات على تكلفة المنتج النهائي.
صالح يرى أن جل هذه العوامل ومتابعة ردود فعل المنافسين، مثل خدمة «سامسكيب» المغربية، وأي تغييرات تطرأ على موانئ إسبانيا من شأنها أن تؤثر على الحصص السوقية.
تتزامن خدمة «أطلس» مع توقيت دقيق لنمو الأسواق الأوروبية بالمنتجات المغربية الطازجة، وترسيخ المغرب كمصدر رئيس في صناعة الفواكه والخضروات الطازجة لأوروبا. كما أنها ستسهم بأكثر من 30 مليار درهم إماراتي في اقتصاد دبي المحلي وتمثل أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي لقطاع النقل والتخزين وحده. وفقاً لصالح، وبالتالي تكون الإمارات قطعت شوطاً هائلاً، يضاف إلي نماذج مشرّفة مثل شبكة إيلاف الوطنية لنقل البضائع بين أبوظبي ودبي والفجيرة.
والفصل الأساسي لنجاح المشروع بحسب خبراء اقتصاديين، يبقى للمراقبة الحثيثة للأداء التشغيلي والأسعار والمنافسة خلال الأشهر الـ3 المقبلة.
