العلاقات المصرية الأمريكية: شراكة استراتيجية راسخة ودور محوري في استقرار المنطقة

العلاقات المصرية الأمريكية: شراكة استراتيجية راسخة ودور محوري في استقرار المنطقة

كشف كتاب «الاتزان الاستراتيجي» الصادر عن وزارة الخارجية المصرية، أن العلاقات بين القاهرة وواشنطن تمثل شراكة استراتيجية عميقة وممتدة منذ عام 1922، تلبي احتياجات سياسية وأمنية أساسية للطرفين، وتتميز بطابعها المؤسسي الذي يتجاوز التغيرات الحكومية والانقسامات الحزبية، مما يؤكد دور مصر المحوري في الشرق الأوسط وأفريقيا كحليف رئيسي للولايات المتحدة.

تأسست هذه الشراكة على أساس مبدأ دعم المصالح المشتركة وتقاسم الأعباء، حيث تستفيد الولايات المتحدة من وضعها كقوة عظمى ذات دور قيادي في القضايا العالمية والإقليمية، بينما تستفيد مصر من دورها المحوري في الشرق الأوسط وأفريقيا والعالم الإسلامي ودول الجنوب العالمي. هذا التوافق في الأدوار يرسخ الحاجة المتبادلة لشراكة استراتيجية مستمرة، مما يجعل مصر على رأس حلفاء الولايات المتحدة من خارج حلف الناتو.

محطات محورية في الشراكة المصرية الأمريكية

تجلت الشراكة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة عبر محطات تاريخية بارزة، لم تكن مجرد أحداث متفرقة بل كانت نقاط تحول عززت التعاون الثنائي وأسهمت في تحقيق أهداف إقليمية مشتركة، أبرزها إحلال السلام في الشرق الأوسط. من هذه المحطات إبرام اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، والتعاون في حرب الخليج عام 1991، والتنسيق لإنجاح مؤتمر السلام في مدريد عام 1991، ثم اتفاق أوسلو عام 1993 لدفع مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية. امتد هذا التعاون ليشمل السنوات الأخيرة في تحقيق الاستقرار وتعزيز الأمن الإقليمي وتسوية الأزمات في سوريا وليبيا والسودان واليمن والبحر الأحمر وشرق المتوسط ومنطقة القرن الأفريقي، بالإضافة إلى تطوير الشراكة الثنائية في المجالات العسكرية والاقتصادية والعلمية والثقافية، بما في ذلك الطاقة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وزيادة التجارة وتشجيع استثمارات القطاع الخاص.

اختبار الشراكة بعد 30 يونيو 2013

شهدت السنوات العشر الماضية مرحلة مفصلية في العلاقات المصرية الأمريكية، خاصة بعد التباين الظرفي الذي أعقب ثورة 30 يونيو 2013، والذي مثل اختباراً حقيقياً لعمق الشراكة وقدرتها على تجاوز التحديات السياسية. هذا التباين، الذي استمر لعدة أشهر حول قراءة مغزى الحراك الشعبي ودلالاته، تم التعامل معه بحوار طويل ومعمق لم يقتصر على التواصل مع الإدارة الأمريكية، بل شمل تحركاً دبلوماسياً مصرياً واسعاً مع قيادات الحزبين الديمقراطي والجمهوري ومراكز الفكر ومجتمع الأعمال الأمريكي. أفضى هذا الجهد في مطلع عام 2014 إلى استعادة الطابع المؤسسي والتعاوني المستقر للعلاقة، وتوافق البلدين على قراءة جديدة للتحولات الإقليمية، مؤكدين ضرورة الحفاظ على التماسك الاجتماعي وسلامة مؤسسات الدولة الوطنية في المنطقة.

تلا ذلك مرحلة تعزيز التعاون وتوسيع أطر الشراكة بين عامي 2017 و2020، بالتزامن مع الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، حيث تكثف التحرك على مستوى دبلوماسية القمة. انعكس هذا الزخم في الاتفاق على تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، ولقاءات القمة المتوالية على هامش الفعاليات الدولية. كما تجلى في التعامل الإيجابي للإدارة الأمريكية مع برنامج المساعدات، وانعقاد الجولة الأولى للتنسيق بصيغة (2+2) بمشاركة وزيري الخارجية والدفاع، مما يؤكد مكانة مصر كأحد أكبر شركاء الولايات المتحدة في التعاون العسكري الذي يخدم مصالح الطرفين.

تعزيز الاستقرار وتعميق التعاون (2021-2025)

تواصلت العلاقات المصرية الأمريكية في الفترة من 2021 إلى 2025 على مسار تعزيز الاستقرار وتعميق طابعها المؤسسي، رغم التحديات الإقليمية المتزايدة وتغير الإدارات الأمريكية، مما يؤكد التزام البلدين بدعم المصالح الاستراتيجية المشتركة. حرصت القاهرة وواشنطن على دعم التعاون في المجالات الاستراتيجية الأساسية، مثل مكافحة الإرهاب، والأمن البحري، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، والعمل المشترك للحفاظ على الاستقرار الإقليمي وحل أزمات المنطقة الممتدة.

شهدت هذه الفترة وتيرة غير مسبوقة في الاتصالات الثنائية والتنسيق السياسي، مسجلة أعلى معدل للاتصالات على مستوى القمة بين البلدين منذ وصول إدارة الرئيس بايدن للسلطة. جاء هذا التكثيف مدفوعاً بالتطورات المتصلة بالحرب في غزة، والدور المصري المركزي في السعي لوقف إطلاق النار والإفراج عن الأسرى والرهائن. توج هذا المستوى المكثف من التنسيق بصدور بيان رئاسي مشترك حول الحرب في غزة بين مصر والولايات المتحدة وقطر، مما يؤكد جهود الوساطة المشتركة الهادفة إلى التوصل لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، والإفراج عن الأسرى والسجناء، وإدخال المساعدات الإنسانية بصورة مستدامة ودون عوائق لتلبية الاحتياجات الإنسانية للشعب الفلسطيني.