على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، أجرت CNN الاقتصادية مقابلة حصرية مع وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط، تناولت واقع الاقتصاد اللبناني، آفاق النمو في المرحلة المقبلة، والعلاقة مع المؤسسات الدولية في ظل الإصلاحات الجارية.
مؤشرات نمو بعد عقد من الركود
توقّع بساط أن يسجّل الاقتصاد اللبناني نمواً بنسبة 5% عام 2025، وهو الأعلى منذ عام 2011، معتبراً أنّ هذا الرقم «جيد وربما أفضل من المتوقع»، وأوضح أنّه رغم المقارنة بعام 2024 الذي كان عاماً صعباً على لبنان نتيجة الحرب مع إسرائيل، فإنّ الأرقام تشير إلى تحسّنٍ ملموس في بعض القطاعات، مثل السياحة والعقارات والخدمات.وأضاف أنّ هذا النمو يعكس «عودة تدريجية للثقة لدى المستثمرين، وإن كانت الطريق لا تزال طويلة»، مشيراً إلى أنّ الاقتصاد «ما زال يعاني من أزمات هيكلية عميقة، أبرزها في القطاع المصرفي والطاقة والكهرباء، إلى جانب التحديات الأمنية».
فجوة بين الإمكانات والواقع
تحدّث الوزير عن فجوة كبيرة بين ما هو عليه الاقتصاد اللبناني اليوم وما يمكن أن يكون عليه، موضحاً أنّ «الناتج المحلي البالغ نحو 30 مليار دولار يجب أن يكون أعلى بكثير قياساً بإمكانات البلد البشرية والاغترابية والجغرافية».وأشار إلى أنّ الخطط الحكومية تستهدف رفع الناتج إلى نحو 60 مليار دولار خلال عشر سنوات، من خلال استثمارات تراكمية تصل إلى 100 مليار دولار، بمعدل 10 مليارات دولار سنوياً، لكنه شدّد على أنّ تحقيق هذا الهدف «ليس مضموناً من دون إصلاحات جذرية».وقال إنّ «المعادلة بسيطة؛ إذا أنجزنا الإصلاحات فستتدفّق الاستثمارات، وعندها يمكن أن نضاعف الناتج المحلي ونستعيد موقعنا الاقتصادي الطبيعي».
مؤتمر بيروت الاستثماري.. لإعادة التذكير بلبنان
وحول المؤتمر الاستثماري الذي ستنظمه الحكومة في بيروت خلال نوفمبر المقبل، أوضح بساط أنّ الهدف الأساسي «هو إعادة لبنان إلى خريطة المستثمرين وتذكير العالم بالفرص التي لا تزال موجودة فيه».وأضاف أنّ المؤتمر سيقدّم رؤية شاملة للاقتصاد اللبناني «تجمع بين الطموح والواقعية»، وسيعرض مشاريع ملموسة في قطاعات الكهرباء والمياه والنفايات والبنية التحتية والخدمات كما سيتم الإعلان عن حوافز استثمارية.وقال الوزير إنّ «الرسالة التي نريد إيصالها للمستثمرين هي أن لبنان، رغم أزماته، يملك فرصاً حقيقية إذا التزمت الدولة بالإصلاح ووفّرت بيئة قانونية وأمنية مستقرة».
الأمن شرط للازدهار
وفي رده على سؤال حول تردّد المستثمرين بسبب الأوضاع الأمنية ووجود السلاح خارج سلطة الدولة، لا سيما سلاح حزب الله، أكّد بساط أنّ «الاستقرار الأمني هو شرط مسبق لأي ازدهار اقتصادي».وأوضح أنّ «لبنان لا يمكن أن ينهض ما لم تستعد الدولة سيطرتها الكاملة على مؤسساتها وحدودها، وتضع حداً للتهريب والتزوير، وتعمل على حصر السلاح بيدها»، وأضاف أنّ «الطريق لا تزال طويلة، لكن الفرص قائمة إذا اقترنت بالإرادة السياسية والإصلاحية».
مفاوضات مع صندوق النقد.. «لا أبيض ولا أسود»
تطرّق وزير الاقتصاد إلى العلاقة مع صندوق النقد الدولي، مؤكداً أنّ المباحثات «لا تُقاس بلغة الفوز أو الخسارة»، بل هي مسار طويل ومعقّد يشمل ملفات متعددة من المالية العامة والسياسات النقدية إلى إصلاح القطاع المصرفي والطاقة.وقال إنّ «النقاش مع الصندوق ليس أبيض أو أسود، بل هو عمل مشترك لصياغة برنامج يناسب اللبنانيين ويساعدهم على النهوض».وكشف أنّ المحادثات الأخيرة مع بعثة الصندوق كانت «إيجابية وجدية»، إذ أبدى الصندوق استعداداً «للتفكير بمقاربات مختلفة» تدعم لبنان في بلورة برنامج وطني متكامل.
تمويل محدود.. واستثمارات عبر الشراكة
وفي ما يتعلّق بموافقة البنك الدولي على حزمة تمويل بقيمة 250 مليون دولار لإعادة إعمار لبنان، أشار بساط إلى أنّ المشروع موجود حالياً في البرلمان، موضحاً أنّ الحكومة تعمل بالتوازي على برامج زراعية وإدارية ورقمية بالتعاون مع مؤسسات دولية أخرى.لكنّه أكّد أنّ لبنان لا يسعى إلى «فتح باب القروض مجدداً على مصراعيه»، معتبراً أنّ التجربة السابقة أثبتت فشل الاعتماد المفرط على الدين الخارجي.وأوضح أنّ الحكومة تفضّل تمويل المشاريع عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، معتبراً أنّ الازدهار الحقيقي يأتي من الاستثمارات المنتجة، لا من القروض.
تضخم مرتفع رغم التراجع النسبي
وحول تراجع معدل التضخم من 20% إلى نحو 15%، اعتبر الوزير أنّ الرقم ما زال مرتفعاً جداً لاقتصاد غير مزدهر وسياسات نقدية تقشفية.وأوضح أنّ جزءاً من التضخم ناتج عن كلفة الاستيراد وسعر الصرف غير المستقر، بينما يرتبط الجزء الآخر بممارسات احتكارية في السوق المحلي.وأشار إلى أنّ وزارة الاقتصاد تتعامل بجدية مع ملف حماية المستهلك، موضحاً أنّها أجرت أكثر من 20 ألف كشف ميداني خلال العام، وحرّرت نحو ألف محضر مخالفة، وتعمل على استخدام كل الوسائل القانونية لضبط الأسعار وتحسين الشفافية في الأسواق.إصلاحات تحت الاختبارفي ختام حديثه، شدّد الوزير على أنّ لبنان أمام اختبار الإصلاح الحقيقي، موضحاً أنّ البلد يملك مقوّمات النجاح، لكنه بحاجة إلى إرادة تنفيذية وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع الدولي.
