أكثر الاقتصادات القابلة للاستمرار في العالم: من يتفوق؟

في عالم يواجه تحديات بيئية واجتماعية متزايدة، أصبح قياس استدامة الاقتصادات العالمية أكثر أهمية من أي وقت مضى، فلم يعد النمو الاقتصادي وحده كافياً لتقييم نجاح الدول، بل بات من الضروري النظر في كيفية تحقيق النمو وتأثيره على البيئة والمجتمع والأجيال القادمة.
وفي ظل تسارع التحولات العالمية، أصبحت الدول التي توازن بين هذه الأبعاد الثلاثة أكثر قدرة على الصمود في وجه الأزمات وتحقيق نمو طويل الأمد.

ما هي الاستدامة الاقتصادية؟

الاستدامة الاقتصادية تعني قدرة الاقتصاد على النمو والازدهار دون استنزاف الموارد الطبيعية أو الإضرار بالبيئة أو المجتمع، إنها توازن دقيق بين ثلاثة أبعاد رئيسية؛ النمو الاقتصادي، الرفاهية الاجتماعية، والحماية البيئية.
الاقتصادات المستدامة هي تلك التي تستطيع المشاركة في النظام التجاري العالمي بطريقة تدعم الأهداف طويلة المدى لهذه الأبعاد الثلاثة.

مؤشر التجارة المستدامة.. معيار عالمي جديد

يُعد مؤشر التجارة المستدامة (STI)، الذي أطلقه مركز التنافسية العالمية التابع لـIMD بالتعاون مع مؤسسة هينريش، واحداً من أهم الأدوات لتقييم استدامة الاقتصادات العالمية، يقيس المؤشر 30 اقتصاداً عالمياً رئيسياً باستخدام 72 مؤشراً مختلفاً موزعة على ثلاث ركائز أساسية.

الركائز الثلاث للاستدامة

الركيزة الاقتصادية: تشمل مؤشرات مثل الإنتاجية، الابتكار، البنية التحتية التجارية، الاستقرار الاقتصادي، وفرص العمل، تقيس هذه الركيزة قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام وتوفير فرص اقتصادية لمواطنيه.الركيزة الاجتماعية: تتضمن مؤشرات الصحة، التعليم، المساواة، حقوق العمال، والحوكمة الرشيدة، وتعكس هذه الركيزة مدى اهتمام الاقتصاد برفاهية مواطنيه وتوفير فرص متكافئة للجميع.الركيزة البيئية: تركز على انبعاثات الكربون، جودة الهواء والماء، إدارة النفايات، كفاءة استخدام الموارد، والطاقة المتجددة، وتقيس هذه الركيزة التزام الاقتصاد بحماية البيئة والموارد الطبيعية.

الدول الرائدة في الاستدامة

المملكة المتحدة.. صعود إلى القمةتصدرت المملكة المتحدة مؤشر التجارة المستدامة لعام 2025، بعد احتلالها المركز الثاني في عامي 2023 و2024، ويعكس هذا الإنجاز التزام بريطانيا القوي بالانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون، إضافة إلى بنيتها التحتية المتطورة وأنظمتها القانونية والتنظيمية القوية. وتتميز المملكة المتحدة بسياسات تجارية منفتحة وشفافة، إلى جانب استثمارات كبيرة في الطاقة المتجددة والابتكار التكنولوجي.نيوزيلندا.. نموذج للتوازناحتفظت نيوزيلندا بمركز متقدم في المؤشر، وهو ما يعكس نهجها المتوازن في تحقيق النمو الاقتصادي، وتشتهر نيوزيلندا بمناظرها الطبيعية الخلابة وحرصها الشديد على الحفاظ عليها، إلى جانب نظام حوكمة يُعد من الأفضل عالمياً، تستثمر الدولة بكثافة في الزراعة المستدامة والسياحة البيئية، مع الحفاظ على مستويات عالية من الشفافية ومكافحة الفساد.أستراليا.. قوة إقليمية مستدامةحافظت أستراليا على المركز الثالث في التصنيف، مستفيدة من مواردها الطبيعية الغنية وسياساتها التجارية المنفتحة، رغم اعتمادها التاريخي على الصناعات الاستخراجية تحرز أستراليا تقدماً ملموساً في التحول نحو الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتتمتع أستراليا ببنية تحتية قوية وأنظمة تعليمية وصحية متطورة.سنغافورة.. معجزة آسيا المستدامةتبرز سنغافورة كنموذج فريد للاستدامة في آسيا، محافظة على مركزها المتقدم في المؤشر، على الرغم من محدودية مساحتها ومواردها الطبيعية نجحت سنغافورة في بناء اقتصاد متطور ومستدام من خلال الابتكار والتخطيط الحضري الذكي، وتتميز الدولة بكفاءة عالية في استخدام الموارد، وأنظمة نقل عام متطورة، وسياسات صارمة لحماية البيئة.

دروس من الاقتصادات المستدامة

الالتزام السياسي طويل المدىتشترك جميع الاقتصادات المستدامة الرائدة في التزام سياسي واضح بالاستدامة يمتد لعقود، هذا الالتزام لا يقتصر على حكومة واحدة، بل يشكل جزءاً من الثقافة السياسية والاجتماعية للدولة، يتطلب هذا وضع خطط استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز الدورات الانتخابية القصيرة.الاستثمار في الابتكار والتكنولوجياالاقتصادات المستدامة تستثمر بكثافة في البحث والتطوير، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة، الزراعة المستدامة والتكنولوجيا النظيفة، هذه الاستثمارات لا تحمي البيئة فحسب، بل تخلق أيضاً فرص عمل جديدة وتعزز التنافسية الاقتصادية.الانفتاح التجاري المسؤولالدول الأكثر استدامة تدرك أن التجارة الدولية يمكن أن تكون قوة إيجابية عندما تُدار بمسؤولية، وتتبنى هذه الدول سياسات تجارية منفتحة مع وضع معايير بيئية واجتماعية صارمة، وتشجع التجارة في السلع والخدمات المستدامة.التعليم والوعي المجتمعييلعب التعليم دوراً محورياً في تحقيق الاستدامة، فالدول الرائدة تستثمر في تثقيف مواطنيها حول القضايا البيئية والاجتماعية، ما يخلق ثقافة مجتمعية تدعم السياسات المستدامة وتشارك في تنفيذها.

الشرق الأوسط.. قادة الاستدامة في 2025

شهد الشرق الأوسط في عام 2025 خطوات متسارعة نحو تعزيز الاستدامة الاقتصادية والبيئية، مع تميّز بعض الدول كقادة في هذا التحول، وتبرز الإمارات العربية المتحدة برؤية واضحة في مشاريع الطاقة النظيفة، مثل استثماراتها الضخمة في الطاقة الشمسية والنووية السلمية، إلى جانب استضافتها لقمة المناخ العالمية COP28 لتعزيز التشريعات والممارسات البيئية.كما تُنفذ المملكة العربية السعودية «رؤية 2030» التي تراهن على المدن الذكية والتكنولوجيا النظيفة، وتُسهم في مشروعات مثل نيوم والبحر الأحمر بتصميم بيئي مستدام يُراعي الاستخدام الرشيد للموارد. أما المغرب فقد أضحى نموذجاً رائداً في شمال إفريقيا بفضل محطة «نور ورزازات» للطاقة الشمسية، ومبادرات للحفاظ على المياه والزراعة المستدامة. هذه الدول تُظهر أن الاستدامة ليست مجرد شعار، بل استراتيجية تنموية متكاملة تُعزز النمو الاقتصادي دون التضحية بالبيئة أو رفاه المجتمع.