رغم القلق المتزايد بشأن مستقبل الاقتصاد الأميركي وتداعيات الحرب التجارية والاضطرابات السياسية في واشنطن، يبدو أن الأميركيين لم يفقدوا شهيّتهم لتناول الطعام في الخارج.
ويُعتبر هذا المؤشر من أدقّ الإشارات المبكرة على حالة الاقتصاد، إذ يميل الأميركيون عادةً إلى تقليص إنفاقهم على المطاعم عندما يلوح شبح الركود، لكن هذا لم يحدث بعد.
قوة في الإنفاق.. وثقة في الوظائف
يبدو أن السرّ وراء هذا الصمود يعود إلى استمرار النمو الاقتصادي وانخفاض معدلات البطالة، إذ ما زالت الشركات تتجنب تسريح الموظفين وسط استقرار في المبيعات وصعوبة إيجاد عمالة مؤهلة.كما أن الدخول ارتفعت بوتيرة أسرع من التضخم، ما عزّز القوة الشرائية لدى شريحة واسعة من المستهلكين.في المقابل، ساهم الانتعاش القوي في سوق الأسهم الأميركية في تحفيز إنفاق الأسر الميسورة، التي تمثل القوة الأساسية في سوق المطاعم.ويقول نائب كبير الاقتصاديين في «أوكسفورد إيكونوميكس»، مايكل بيرس «كانت قوة سوق الأسهم الأخيرة محركاً رئيسياً للإنفاق، خاصة في المطاعم الفاخرة».
حجوزات أعلى ومبيعات ذكية
أظهرت بيانات موقع أوبن تيبل OpenTable لحجوزات المطاعم ارتفاعاً بنسبة 12% عن العام الماضي، خصوصاً في المطاعم الفاخرة التي تستقطب الطبقات الأعلى دخلاً.أما مطاعم الوجبات السريعة التي تعتمد على المستهلكين من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض، فقد نجحت في الحفاظ على زخم المبيعات عبر عروض القيمة الجديدة.فعلى سبيل المثال، سجّلت شركة دومينوز بيتزا (Domino’s) زيادة في المبيعات الربيع الماضي بعد إطلاقها عرض البيتزا بقيمة 9.99 دولار.ويضيف موترِاي «العلامات التي نجحت في توصيل فكرة القيمة الحقيقية هي الفائزة حالياً».
تغيّر في السلوك.. وهدوء في التوظيف
لكن الصورة ليست وردية بالكامل، فالقطاع يواجه ارتفاع تكاليف المكونات مثل اللحوم، ونقص العمالة، وزبائن أصبحوا أكثر حرصاً على إنفاقهم.بحسب الاحتياطي الفيدرالي، فإن الزبائن في مدن مثل أتلانتا بدأوا يتجنبون الحلويات والمشروبات الكحولية، كما أصبحوا يشاركون الوجبات أو يطلبون حصصاً أصغر لتقليل الفاتورة.أدت هذه النزعة إلى تباطؤ نمو التوظيف في قطاع المطاعم الذي يشغّل نحو 15 مليون شخص، أي ما يقارب واحداً من كل عشرة عاملين في أميركا.ففي الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، أضاف القطاع 13 ألف وظيفة فقط، مقارنة بـ40 ألفاً في الفترة نفسها من عام 2024، و173 ألفاً في 2023.ويقول موترِاي إن أكثر من 70% من أصحاب المطاعم يخططون لتثبيت مستويات التوظيف خلال الأشهر الستة المقبلة، مع تباطؤ حركة الزبائن وتحوّل أصحاب الأعمال إلى سياسات أكثر تحفظاً.
الضغوط على ذوي الدخل المنخفض
ورغم استقرار المبيعات الإجمالية، فإن الأسَر ذات الدخل المنخفض بدأت تشعر بالضغط. دفع ارتفاع الأسعار كثيرين إلى تجنّب مطاعم الوجبات السريعة والاعتماد على بدائل أرخص في المتاجر، بل إن منتجات كلاسيكية مثل «هامبرغر هيلبر» تعود إلى الواجهة كخيار اقتصادي.حتى ماكدونالدز لم تسلم من هذه التغيرات، إذ شهدت انخفاضاً في زيارات العملاء من الشرائح منخفضة الدخل في الربع الثاني من العام، ما دفعها إلى إطلاق مزيد من العروض الترويجية لاستعادتهم.وقال الرئيس التنفيذي لشركة ماكدونالدز، كريس كيمبشينسكي «إعادة جذب المستهلكين من ذوي الدخل المحدود أمر حاسم، فهم يزورون مطاعمنا بوتيرة أعلى من غيرهم».
هل تواصل الطاولة الأميركية دعم الاقتصاد؟
مع بقاء الإنفاق في المطاعم مستقراً، تشير مؤشرات مثل الإنفاق عبر بطاقات الائتمان لدى بنك أوف أميركا إلى ارتفاع نسبته 3.2% في أوائل أكتوبر تشرين الأول مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يتماشى مع اتجاه الأعوام السابقة حين كان الاقتصاد في حالة أفضل.لكن التحدي الأكبر مستقبلاً قد يأتي من أي هبوط مفاجئ في سوق الأسهم، إذ إن الأسر التي تتجاوز دخولها 100 ألف دولار تمثل 43% من عدد الأسر الأميركية، لكنها مسؤولة عن نحو 60% من إنفاق المطاعم.في النهاية، يظل هذا القطاع مؤشراً حساساً لحالة الاقتصاد الأميركي، فإذا كانت المطاعم مزدحمة، فالاقتصاد على الأرجح ما زال بخير.
