استثمار للمستقبل أم دعاية بيئية؟

تتجه كبرى الشركات العالمية مثل «كوكاكولا» و«نستله» و«توتال إنرجيز» نحو الاستثمار في مشاريع بيئية في إفريقيا، تشمل إدارة النفايات ومكافحة إزالة الغابات، في محاولة لتقليل بصمتها الكربونية.

وتثير هذه المبادرات تساؤلات حول مدى صدقها، إذ يصعب أحياناً التمييز بين الجهود البيئية الحقيقية ومحاولات التجميل الأخضر (Greenwashing) لأغراض تسويقية.

وفقاً لتقرير نشرته مجلة «جون أفريك»، تقدم تجربة شركة «نستله» في ساحل العاج نموذجاً بارزاً لهذا النوع من المبادرات، ففي منطقة سود-كومويه، استطاع المزارع فاوستين كواديو، الذي كان يعيش سابقاً تحت خط الفقر، تحسين دخله عبر «برنامج تسريع الدخل» الذي أطلقته الشركة عام 2022.

ويهدف البرنامج إلى تشجيع مزارعي الكاكاو على تبني ممارسات زراعية مستدامة، مثل الزراعة المختلطة وزراعة الأشجار المظللة وتقليم أشجار الكاكاو وإرسال الأطفال إلى المدارس، مقابل مكافآت سنوية تصل إلى 500 يورو.

بدورهم، يصف خبراء الاستدامة هذا البرنامج بأنه من «الأكثر ابتكاراً» في قطاع الكاكاو، حيث أسهم في زيادة دخل أكثر من 30 ألف أسرة بنسبة تقارب 38%.

 حريق في غابات الأمازون المطيرة بالقرب من مدينة هومايتا، ولاية أمازوناس، شمال البرازيل. 4 سبتمبر 202 المصدر: أ ف ب

وتخطط «نستله» لتوسيع البرنامج ليشمل 160 ألف أسرة بحلول عام 2030، بميزانية إجمالية تقدر بنحو 1.4 مليار يورو.

لكن دوافع الشركة لا تخلو من البعد التجاري.

وبحسب مسؤول الحوكمة البيئية والاجتماعية في «نستله»، تهدف المبادرة إلى ضمان استدامة سلاسل التوريد في ظل تحديات القطاع، الذي يواجه اتهامات مستمرة بالاعتماد على عمالة الأطفال وتدمير الغابات.

وتشير التقديرات إلى أن ساحل العاج فقدت أكثر من 80% من غاباتها منذ ستينيات القرن الماضي.

ورغم حصول الشركة على تقييم مرتفع في مؤشر «فورست 500» المتخصص بمكافحة إزالة الغابات، إلا أنها تواجه، إلى جانب «كوكاكولا» و«يونيليفر»، انتقادات حادة من منظمات مثل «غرينبيس»، التي تعتبرها من أكبر المساهمين في التلوث البلاستيكي عالمياً.

وتؤكد الأمم المتحدة أن 4% فقط من النفايات في إفريقيا يُعاد تدويرها فعليا، رغم إعلان «نستله» أن 86% من عبواتها قابلة لإعادة التدوير.

ويقول الخبير البيئي جان جاك بومو لومبي إن الأنشطة الرمزية، مثل حملات تنظيف الأسواق التي تنظمها الشركات، لا تمثل حلولاً جذرية، داعياً إلى تمكين المجتمعات المحلية والشركات الناشئة في مجال إعادة التدوير مثل «نيم ريسايكلينغ» في الكاميرون، لمعالجة أزمة النفايات ضمن إطار مؤسسي مستدام.

وفي السياق ذاته، تواجه شركة «توتال إنرجيز» انتقادات مشابهة؛ بسبب التباين بين استراتيجيتها الخضراء واستثماراتها الضخمة في الوقود الأحفوري.

فبينما تخصص أكثر من 5 مليارات يورو سنوياً لمشاريع الطاقة المتجددة، تضخ نحو 12 مليار يورو في النفط والغاز، ويُعد مشروع خط أنابيب( EACOP) بين أوغندا وتنزانيا مثالاً بارزاً على هذا الجدل، حيث تتهمها منظمات بيئية بتمويل حملات دعائية ومظاهرات «مصطنعة» لإظهار دعم شعبي للمشروع، الذي يتوقع أن يولد نحو 379 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

وبينما تستعد المحاكم الفرنسية للبت في دعاوى تتعلق بـ«ممارسات تسويقية مضللة»، تبقى إفريقيا في قلب النقاش العالمي حول مستقبل الاقتصاد الأخضر.

ويبقى السؤال: هل تمثل هذه الاستثمارات تحولاً حقيقياً نحو التنمية المستدامة؟ أم أنها مجرد واجهات بيئية لمصالح اقتصادية تقليدية؟