في قلب بيروت، العاصمة التي لم تهدأ أزماتها منذ سنوات، ارتفعت أصوات المودعين كأنها صفعة في وجه نظام مصرفي أغلق الأبواب عليهم منذ ستة أعوام. الغضب لم يعد مجرّد شعارات، بل صرخة وجودية من رجال ونساء يرون أعمارهم محبوسة داخل دفاتر البنوك، فيما الحلول الرسمية لا تزال حبراً على ورق.
بين الحشد، تقدّم رجل خمسيني أنهكته سنوات الانتظار، يدعى رامي غندور، وصرخ باللهجة اللبنانية بكل ما أوتي من قوة: «الله لا يوفقكن، حسبي الله ونعم الوكيل فيكن، صار لنا 6 سنين ناطرينكن وعم تعملوا خطط على سرقتنا، شو بدنا نعمل معكن؟».
كان صوته كالرعد، ارتد صداه بين المباني القديمة، وجعل العيون تلتفت نحوه في لحظة واحدة. إلى جانبه، وقف علاء خورشيد، رئيس جمعية صرخة المودعين، صامتاً يحمل الغضب في ملامحه. وحين سألناه في لقاء خاص مع «إرم بزنس»، أطلق ابتسامة باهتة وقال: «سمّوها خطة الفجر المالية، بس بالنسبة إلنا هي خطة السرقة. خطتين حطوهن، وكلهم موقوفين عن التنفيذ. نحنا مش قابلين».
مغتربون صودرت أعمارهم
وسط الحشود، ارتفع صوت حياة مطر عبد الباقي، المتحدثة باسم المودعين المغتربين، وقالت لـ«إرم بزنس» بلهجة غاضبة:
«إلنا ست سنين بالشارع، الدولة ما ردّت علينا. نحنا المغتربين اللي قضينا عمرنا بدول الخليج وغيرها، سرقوا تعبنا بعد أربعين سنة. عطونا تعاميم مذلة: 150 دولاراً بالشهر، أو 100 دولار، ما بتكفي حتى فاتورة كهرباء».
وأضافت: «مش طالبين كل فلوسنا، طالبين حق الوصول لودائعنا. المريض اللي بدو عملية ما بيقدر يسحب كلفة المستشفى. أي دولة بالعالم بتحترم مواطنيها بترد ودائعهم».
جذور الأزمة.. انهيار لم يرحم أحداً
منذ خريف 2019 دخل لبنان في أسوأ انهيار اقتصادي بتاريخه الحديث، فقدت العملة المحلية أكثر من 90% من قيمتها، وأغلقت البنوك أبوابها أمام المودعين، فيما أعلنت الدولة تعثرها عن سداد ديونها الخارجية.
الودائع التي كانت تُعتبر «مقدسة» تحولت إلى أرقام جامدة محبوسة في الحسابات. وتشير التقديرات إلى أن ما بين 86 و93 مليار دولار من أموال المودعين لا تزال معلّقة داخل المصارف.
وبحسب بيانات رسمية، هناك نحو 1.26 مليون حساب متضرر، بعضها لمواطنين مقيمين وأخرى لمغتربين أمضوا أعمارهم في الخليج وأوروبا وإفريقيا.
اعتصام نظمته جمعية المودعين أمام مصرف لبنان في بيروت، 25 يناير 2023. المصدر: (أ ف ب)
أزمة نظامية وحل تشاركي
مدير عام جمعية المصارف رائد خوري أكد لـ«إرم بزنس» أن ما يجري «ليس مجرد تعثر مالي بل أزمة نظامية بكل معنى الكلمة».
وأوضح أن الأزمة بدأت من ديون الدولة ومصرف لبنان، وألقت بظلالها على القطاع المصرفي والمساهمين والمودعين. ويرى أن الحل يجب أن يكون بالتشارك: «كل طرف يقدم تضحية للوصول لحل عادل».
ويضيف: «إعادة الثقة تبدأ من التشريعات، الدولة تخلفت عن ديونها، والمصرف لديه التزامات بـ82 مليار دولار. بعد القوانين، تعيد الثقة تدريجياً، لكن المطلوب جهد كبير من الحكومة والقطاع الخاص والمصارف لإنصاف المودعين».
خطوات بطيئة نحو الإصلاح
في 2025، شهدت الأزمة بعض الحلحلة. قانون السرية المصرفية أُقر في أبريل 2025، مانحاً الجهات الرقابية الدولية صلاحية الاطلاع على الحسابات لعشر سنوات، وهو شرط أساسي لصندوق النقد الدولي.
أما مشروع إعادة هيكلة القطاع المصرفي فانتقل في يوليو 2025 إلى لجنة المال والموازنة تمهيداً للتصويت البرلماني، لتحديد كيفية توزيع الخسائر بين الدولة والمصارف والمودعين.
خطة وزير المالية ياسين جابر تضمنت ثلاث مراحل لإعادة الأموال، تبدأ بالحسابات الصغيرة حتى 100 ألف دولار (تشمل 84% من المودعين)، ثم الحسابات الأكبر. لكنه أقر أن جزءاً من الأموال سيُرد على شكل سندات أو حصص في المصارف لا نقداً.
حلول مرتقبة
الخبير الاقتصادي أنيس أبو دياب أكد لـ«إرم بزنس» أن ملف الودائع «العقدة الأساسية» في الأزمة منذ 2019.
وأشار إلى أن مصرف لبنان أصدر تعميمين لتخفيف الأزمة: التعميم 158 الذي سمح منذ 2021 بسحب 800 دولار شهرياً، والتعميم 166 الذي أتاح سحب 400 دولار شهرياً، لكنه وصفها بأنها «حلول جزئية لم تلامس جوهر المشكلة».
وكشف أن حجم الودائع الحالي تراجع إلى 83 مليار دولار بعد أن كان 120 مليار دولار مع بداية الأزمة، نتيجة التحويلات للخارج وشراء الدولار بخسائر.
وتوقع أبو دياب أن تُرد الودائع الصغيرة (حتى 200 ألف دولار) خلال 3 إلى 5 سنوات، فيما تتحول المبالغ الأكبر إلى سندات أو أسهم طويلة الأجل بفوائد تمتد 15 إلى 25 عاماً، أما الفوائد «الفاحشة» المدفوعة قبل الأزمة فستخضع لإعادة نظر، ما قد يقلص الودائع بـ3 إلى 4 مليارات دولار.
المودعون بين اليأس والأمل
في المظاهرة الأخيرة، رفع المحتجون لافتات كتبوا عليها: «أعيدوا أموالنا»، و«ألغوا التعاميم النظامية»، و«تصاريحكم رنانة وأفعالكم جبانة»، و«الدول حضنتنا ودولتنا سرقتنا».
أصواتهم كانت أقوى من الميكروفونات، ووجوههم قالت أكثر مما قالت الشعارات. ست سنوات مرّت، وما زال المودعون عالقين بين وعود مؤجلة، وقوانين قيد البحث، وأحلام مؤجلة خلف جدران المصارف.
ويبقى السؤال مفتوحاً: متى يفرج عن ودائع لبنان؟
